
احتضنت العاصمة الباكستانية إسلام آباد جولة جديدة من المباحثات بين الولايات المتحدة وإيران، في محاولة جادة لاحتواء التصعيد وفتح نافذة نحو إيقاف الحرب التي ألقت بظلالها الثقيلة على الإقليم، خاصة في ظل التوتر حول مضيق هرمز.
المفاوضات التي شارك فيها من الجانب الأمريكي المبعوث بريت ماكغورك، ومن الجانب الإيراني وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان، جاءت محاطة بقدر من التفاؤل الحذر، حيث أظهرت الجلسات الأولى تقاربًا ملحوظًا في وجهات النظر، خاصة فيما يتعلق بضرورة وقف إطلاق النار وتهيئة المناخ السياسي لاستمرار الحوار.
غير أن هذا التقارب، الذي بدا وكأنه يمهد لاتفاق وشيك، اصطدم بواقع أكثر تعقيدًا. فعلى الرغم من التفاهم حول عدد من القضايا، إلا أن نقاطًا خلافية ظلت كفيلة بإبقاء الاتفاق في دائرة التعثر. الخلاف الأبرز تمثل في توقيت فتح مضيق هرمز، إذ تمسكت الولايات المتحدة بضرورة فتحه فور إعلان وقف إطلاق النار، بينما رأت إيران أن الخطوة لا يمكن أن تتم دون ضمانات حقيقية تحفظ مصالحها الاستراتيجية. كما برزت فجوة واضحة في مسألة الضمانات، حيث طالبت طهران بتعهدات ملزمة، في وقت أبدت فيه واشنطن تحفظًا على تقديم التزامات مسبقة.
وفي ملف البرنامج النووي، ظهر خلاف إضافي حول نسبة تخصيب اليورانيوم، حيث طُرحت مقترحات تقضي بألا تتجاوز النسبة سقفًا يتراوح بين 12% و15%، غير أن التباين في تفسير هذا السقف وآليات الرقابة عليه أضاف تعقيدًا جديدًا لمسار التفاوض.
أما النقطة الأخرى، فقد تجلت في اختلاف ترتيب تنفيذ الخطوات، بين طرح أمريكي يقوم على التزام متزامن، ورؤية إيرانية تميل إلى التدرج والحذر.
وبين شد وجذب، عكست المفاوضات حقيقة الأزمة، وهي أنها ليست أزمة بنود بقدر ما هي أزمة ثقة. فالتاريخ المثقل بالتوتر بين الطرفين، إلى جانب تعقيدات المشهد الإقليمي، جعل من كل خطوة تفاوضية حسابًا دقيقًا بين المكسب والخسارة.
ورغم انتهاء الجولة دون اتفاق نهائي، إلا أن المؤشرات لا تزال تحمل شيئًا من الأمل. فمجرد الجلوس إلى طاولة التفاوض، والاتفاق على قواسم مشتركة، يعني أن الطريق نحو التهدئة لم يُغلق بعد. وربما تحمل الجولات القادمة ما عجزت عنه هذه الجولة، خاصة إذا ما توفرت الإرادة السياسية وتراجعت حسابات المواجهة لصالح منطق التسوية.
هكذا خرجت مفاوضات إسلام آباد… لا منتصرة ولا منهزمة، لكنها بكل تأكيد كشفت أن السلام، وإن تعثر، لا يزال ممكنًا.


