
تحت عنوان «عصا مقديشو… الرواية التي تكتب الألم وتراهن على الإنسان»، نشر موقع الاقتصاد بوست الإلكتروني، مقالًا نقديًا للدكتور يوسف رضوان، عن أحدث روايات الأديب الإرتري هاشم محمود الصادرة عن دار النخبة للنشر والطباعة والتوزيع.
نص المقال..
ليست رواية «عصا مقديشو» للكاتب والروائي هاشم محمود مجرد سردٍ لمأساة الصومال في زمن الحرب الأهلية، بل هي محاولة جادة لإعادة طرح سؤال الإنسان في مواجهة الانهيار الشامل: انهيار الدولة، والقيم، والمعنى، فالنص، منذ صفحاته الأولى، يعلن انحيازه للبعد الإنساني بوصفه المدخل الأعمق لفهم الخراب، لا الاكتفاء بوصفه السياسي أو العسكري.
يفتتح الكاتب روايته بمشهد موت عجوز داخل أحد مستشفيات مقديشو، في لحظة يتزامن فيها انقطاع الكهرباء مع انقطاع الحياة، هذا المشهد، على بساطته الظاهرية، يحمل شحنة رمزية عالية، فالعجوز هنا ليست فردًا معزولًا، بل تمثل الوطن المنهك، الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة في ظل عجز الدولة وتآكل البنية الصحية والاجتماعية، منذ هذه اللحظة، يدرك القارئ أن الرواية لا تحكي عن شخصيات بقدر ما تحكي عن وطن كامل وهو ينهار ببطء.
عنوان الرواية «عصا مقديشو» يشكل مفتاحًا دلاليًا للنص، إذ يستدعي في الذاكرة عصا موسى بوصفها رمزًا للمعجزة والخلاص، غير أن الكاتب يعيد تفكيك هذا الرمز ويمنحه أفقا جديدًا، فالعصا في الرواية ليست أداة خارقة، ولا معجزة سماوية، بل رمز للإيمان بالعقل والمعرفة والعلم كوسائل وحيدة للنجاة، بهذا المعنى، تتحول العصا إلى مشروع حضاري، لا إلى أداة خلاص غيبي، وهو طرح جريء يخرج الرواية من أسر الحنين إلى المعجزات، ويدخلها في فضاء المسؤولية الإنسانية.
تتناول الرواية تجربة المنفى بوصفها امتدادًا للألم لا نقيضا له، فالخروج من مقديشو إلى أمريكا لا يعني بالضرورة الخلاص، بل يضع الشخصيات أمام اغتراب جديد، أكثر تعقيدا وبرودة، في هذا السياق، لا يقدم الكاتب المنفى كجنة بديلة، بل كفضاء مادي آمن، لكنه فقير إنسانيًا، حيث تتآكل العلاقات، ويضيع المعنى وسط إيقاع الحياة السريع، هذا التناول المتوازن للمنفى يمنح النص عمقا فكريا، ويجنبه السقوط في الثنائية السطحية بين “وطن سيئ” و”غربة جميلة”.
شخصيات الرواية لا تبنى بوصفها نماذج فردية مكتملة، بل تظهر كأصوات جمعية تمثل شرائح اجتماعية وتجارب إنسانية مختلفة، فكل شخصية تحمل جرحا خاصا، لكنه في جوهره جرح جماعي، ما يجعل الرواية أقرب إلى شهادة سردية عن الإنسان الإفريقي في زمن التشظي، هذا الخيار الفني، وإن قلل أحيانا من التفاصيل النفسية الدقيقة، إلا أنه عزز من البعد الرمزي والإنساني للنص.
أما على مستوى اللغة، فيعتمد الكاتب أسلوبا كثيفا يميل إلى الشعرية والتأمل، مستخدما الاستعارة بوصفها أداة أساسية في بناء المعنى، أحيانًا تتجه اللغة نحو الإطناب، خاصة في مقاطع الحلم والرؤية المستقبلية، غير أن هذا الإطناب لا يبدو اعتباطيًا، بل يخدم رغبة الكاتب في ترسيخ الأمل كفعل مقاومة، لا كحالة رومانسية ساذجة.
في سياق مشروع هاشم محمود الروائي، تمثل «عصا مقديشو» محطة مهمة في اشتغاله على فضاء القرن الإفريقي، حيث تتقاطع الجغرافيا بالتاريخ، ويتحوّل الأدب إلى أداة مساءلة للواقع السياسي والاجتماعي، غير أن هذه الرواية تحديدًا تتميز بنبرة تفاؤلية واضحة، إذ لا تكتفي بتشريح الألم، بل تحاول إعادة تخيل المستقبل، عبر الرهان على الإنسان بوصفه جوهر الحل لا ضحيته الدائمة.
في المحصلة، يمكن القول إن «عصا مقديشو» رواية تكتب الحرب دون أن تمجدها، وتتناول المنفى دون أن تزيّنه، وتراهن على الحلم بوصفه موقفا أخلاقيًا، إنها نص يؤكد أن الخلاص لا يأتي من السماء وحدها، بل من عصا صغيرة في يد إنسان يؤمن بأن المعرفة، قبل السلاح، هي الطريق الوحيد للنجاة




