
تعيش ولاية الجزيرة واحدة من أدق المراحل الاقتصادية في تاريخها الحديث، مرحلة تتقاطع فيها تحديات ما بعد الحرب مع استحقاقات إعادة الإعمار واستعادة النشاط الإنتاجي، في ظل موارد شحيحة واحتياجات متعاظمة. وفي هذا السياق، تمضي وزارة المالية والاقتصاد والقوى العاملة بالولاية، ضمن منظومة حكومية وأمنية ومجتمعية متكاملة، في إدارة اقتصاد طوارئ انتقل تدريجياً إلى اقتصاد إعادة بناء، واضعةً نصب أعينها هدفاً مركزياً يتمثل في إعادة الإنسان إلى دورة الحياة الطبيعية، وإعادة الولاية إلى موقعها كقاطرة للاقتصاد القومي، كما أوضح الأستاذ عاطف محمد إبراهيم أبوشوك وزير المالية والاقتصاد والقوى العاملة بولاية الجزيرة .
اقتصاد الحرب: إدارة الموارد في أقسى الظروف
يؤكد وزير المالية أن الفترة السابقة للتحرير اتسمت بطبيعة استثنائية فرضتها ظروف الحرب، حيث تحولت كل الموازنات إلى موازنات إجراءات عاجلة، وجرى توجيه الموارد المحدودة نحو دعم المجهود الحربي، وتأمين مراكز التدريب، ورعاية أسر الشهداء والجرحى، وإسناد المتحركات العسكرية والمقاومة الشعبية، في إطار عمل جماعي شاركت فيه مؤسسات الدولة والمجتمع على حد سواء. وقد لعبت الوزارة دوراً تنظيمياً محورياً في تسخير الجهد الشعبي غير المرئي، وضبط مسارات الصرف بما يخدم الهدف الوطني الأعلى المتمثل في تحرير الولاية .
ما بعد التحرير: أولوية الخدمات وإعادة الثقة
بانتهاء مرحلة التحرير، دخلت الولاية مباشرة مرحلة جديدة عنوانها إعادة الإعمار وتأهيل ما دمرته الحرب. ويشير أبوشوك إلى أن الاستهداف الأكبر للمليشيا كان للمرافق الخدمية، الأمر الذي جعل إعادة تشغيل هذه المرافق أولوية قصوى لتهيئة البيئة لعودة النازحين واستقرار المجتمع. وقد تركز الإنفاق العام على قطاعات المياه والصحة والتعليم، بوصفها الأعمدة الأساسية للحياة اليومية، حيث جرى تنفيذ آلاف المشروعات الخدمية خلال عام 2025، مع خطة لمواصلة العمل بذات الوتيرة خلال عام 2026 .
المياه والطاقة: معركة البقاء أولاً
يمثل قطاع المياه النموذج الأوضح لاقتصاد الطوارئ المتحول إلى حلول مستدامة. فمع الانقطاع شبه الكامل للكهرباء منذ مطلع 2024، كان خيار الطاقة الشمسية هو البديل الاستراتيجي لتشغيل محطات المياه. ويبين الوزير أن الولاية نفذت أكثر من ثلاثة آلاف مشروع في هذا القطاع، شملت محطات طاقة شمسية في ود مدني والمحليات الأخرى، ما أعاد إمدادات المياه لملايين المواطنين. هذا التوجه لم يكن خياراً فنياً فحسب، بل قراراً اقتصادياً عقلانياً في ظل شح الوقود وتدمير البنية التحتية الكهربائية .
الصحة والتعليم: استثمار في رأس المال البشري
في القطاع الصحي، واجهت الولاية انتشاراً للأوبئة نتيجة تدهور البيئة الصحية، ما استدعى توجيه موارد معتبرة لإعادة تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية. وقد شمل العمل تأهيل أكثر من مائة مستشفى وعشرات المراكز الصحية، إلى جانب مراكز غسيل الكلى والوحدات الاتحادية، في جهد يعكس إدراك الحكومة لأهمية الصحة كمدخل للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي .
أما التعليم، فقد مثّل تحدياً مالياً وإدارياً بالغ التعقيد، حيث قدرت تكلفة الإجلاس وحدها بعشرات المليارات. ومع ذلك، تمكنت الولاية من ترحيل جزء معتبر من هذه التكلفة، وتأمين وحدات الإجلاس، وطباعة الكتاب المدرسي بعد إعادة تأهيل المطبعة الحكومية، فضلاً عن إنجاز امتحانات الشهادة السودانية في ذروة الحرب، في مؤشر واضح على أولوية التعليم في سلم السياسات العامة .
موازنة 2026: طموح كبير وتحديات أكبر
تأتي موازنة عام 2026 كأكبر موازنة في تاريخ ولاية الجزيرة، بقيمة تقترب من 670 مليار جنيه، تعتمد بنسبة تفوق الستين في المائة على الموارد الذاتية. ويصف الوزير هذا الاعتماد بأنه التحدي الأكبر، إذ يتطلب تعظيم الإيرادات دون تحميل المواطن أعباء إضافية، عبر تنشيط القطاعات الإنتاجية، لا سيما الزراعة والصناعة والتجارة. ويبرز في هذا السياق رهان الولاية على عودة القطاع الصناعي لمعالجة مساهمته الكبيرة في الإيرادات، إلى جانب معالجة الاختلالات في مشروعي الجزيرة والرهد بوصفهما عماد الاقتصاد الولائي .
الاستثمار والبنية التحتية: أفق التعافي الاقتصادي
في إطار التحول من اقتصاد الصمود إلى اقتصاد النمو، اتخذت الولاية خطوات مؤسسية لتعزيز الاستثمار، تمثلت في إنشاء مفوضية مستقلة للاستثمار، والشروع في إعادة تشغيل المصانع المتضررة واستقطاب استثمارات جديدة. كما تبرز مشروعات استراتيجية مؤجلة بفعل الحرب، مثل مطار ود المهيدي، والمنطقة الحرة شمال أبوحراز، ومركز الصادرات البستانية، ومشروعات الثروة الحيوانية، باعتبارها روافع مستقبلية للاقتصاد الولائي، وقنوات محتملة لزيادة الإيرادات وتنويع القاعدة الإنتاجية .
أخيراً
تقدم تجربة ولاية الجزيرة خلال عامي الحرب وما بعدها نموذجاً معقداً لإدارة الاقتصاد في ظل الأزمات، حيث تداخلت اعتبارات الأمن والخدمة والتنمية في معادلة واحدة. ويؤكد حديث وزير المالية أن الولاية انتقلت من مرحلة الإنفاق الاضطراري إلى مرحلة التخطيط الاستراتيجي، رغم محدودية الموارد وضخامة الاحتياجات. ومع أن التحديات لا تزال قائمة، خاصة في جانب تعظيم الإيرادات وإعادة تشغيل الدورة الاقتصادية بالكامل، إلا أن ما تحقق خلال عام 2025 يضع أساساً معقولاً لانطلاقة أكثر استقراراً في 2026، شريطة استمرار التنسيق بين الدولة والمجتمع، وتحويل موارد الولاية الكامنة إلى قوة اقتصادية فاعلة تخدم إنسان الجزيرة وتعيد للولاية مكانتها في الاقتصاد الوطني .




