
▪️ بدأت رحلة العبور بأسرةٍ صغيرةٍ تحمل قلقها، فوصلنا إلى “القضارف” السبت العاشر من أغسطس 2024م، فاستقبلتنا المدينة بصدق أهلها الذي يغطي على وجع الفقد. كان رفيق الدرب “مرتضى مصطفى” (خال أولادي) وأسرته الصغيرة في انتظارنا بقرية الكنز، بعد أن سبقنا إليها، فكان خير سندٍ في تلك الظروف. لم يكن مرتضى وحده، بل التقينا بالزملاء: بت التربال واصلة عباس، وعمدة صحافية القضارف ياسر العطار، والزميل الإنسان طارق عثمان، والأحباب طلال إسماعيل، وعبد الرؤوف طه، والناظر حاتم أبوسن؛ كانوا حضوراً يشد الأزر، ويؤكدون أن الزمالة والإنسانية تتجاوز كل انكسار.
▪️ تباينت الجغرافيا والمناخ في رحلتنا؛ فمن تربة القضارف إلى طقس كسلا، تنقلنا بين عوالم متباعدة. عند كل ارتكازة عسكرية، كانت الوجوه تؤكد حقيقة السودان الواحد. كل نقطة تفتيش كانت فصلاً من كتاب صمودنا، ومع كل راية علم ترفرف، كان اليقين يزداد بأن العودة حقيقةٌ تنتظر لحظة الحسم، لنسترد أرضاً دنسها المتمردون الأوباش. أتذكر حين توقفنا لنمسح غبار الطريق، رأيت في عين صغيري “محمد” سؤالاً صامتاً: “هل وصلنا؟”.. هززت رأسي باليقين، وأنا أرى خيوط الفجر تنهي ليلنا الطويل.
▪️ غادرنا القضارف في الخامس عشر من أغسطس 2024م نحو “كسلا”، استقبلنا عند مدخل المدينة دكتور آدم حسن آدم، لننزل في “السواقي الشمالية” ضيوفاً على صهري النازح إليها “منير حمد”، الذي استقبلنا بكرمٍ أنسانا غربتنا. قضيتُ هناك أياماً بين أحضان الزملاء رضا باعو، وبهرام عبد المنعم، وصديق رمضان، وأبوبكر محمود، وزاهر منصور، وعرفة خواجة، ودكتور آدم حسن؛ وآخرون كانت رفقتهم بلسماً، وعشنا أياماً غسل فيها “قاش” كسلا بصفائه ما علق بأرواحنا من رعب الخرطوم.
▪️ أتاحت الإقامة في كسلا فرصةً لترميم ما انكسر. كان الترحاب بلسماً للأطفال الذين أرهقتهم مشاهد الرعب وأسئلتهم عن العودة. لا أنسى تلك الليلة التي زرنا فيها “جبل توتيل”، وعدنا بعدها إلى مقر إقامتنا وقد نال الإرهاق منا، رأيت في تلك الليلة أطفالي ينامون بعمق لأول مرة منذ أشهر؛ كان ذلك السكون في عيونهم أعظم انتصار. هذه التجربة دفعتني للكتابة؛ فالقلم هو السلاح الذي نملكه لنخبر الأجيال أننا لم نكن شهود زور، بل كنا في قلب العاصفة، نبحث عن وطنٍ لا يطرد أبناءه، حاملين ذاكرةً لا تموت.
▪️ تلاشت غيوم الحزن في كسلا، فالطبيعة هناك تحاول أن تغسل أرواحنا. كان تلاحمنا في الغربة رحلة اكتشافٍ للذات، حيث كان “القاش” يبدو أكثر صفاءً من كل الأنهار التي عبرناها؛ وكأن الطبيعة تذكرنا بأن الجمال سيبقى، مهما حاولت أيدي المليشيا تلطيخه بدمائنا التي سالت في أزقة الخرطوم والجزيرة.
▪️ في يوم الاثنين التاسع عشر من أغسطس، ودعنا كسلا باتجاه “عطبرة”. في قلب الزحام، كانت عطبرة تستقبلنا كقلعة صمود؛ لم يكن استقرارنا فيها انتقالاً، بل وقفةً أمام غزاةٍ استهدفوا قيمنا. نزلنا في ضيافة أخي وابن خالتي “أنور محسوب” بحي المطار، حيث التقينا بـ “محمد أحمد كباشي”، و”عبد الماجد الكباشي”، ورفاقهما، فكان اللقاء استراحة محارب أعدنا فيها ترتيب أوراقنا قبل المرحلة الأخيرة نحو دنقلا.
▪️ شددنا الرحال الجمعة الثالث والعشرين من أغسطس 2024م إلى “دنقلا” التي تبعد 580 كيلومتراً. كانت الرحلة نحو الشمال تشبه العودة إلى الجذور، حيث تشتد الحرارة وتتباعد المسافات، لكن قلوبنا ظلت معلقة بمرفأ الأمان. اقتربنا من قلب السودان الذي لم تطأه أقدام الغزاة، معلنين أننا لن ننكسر.
▪️ حكت الصحراء بين عطبرة ودنقلا قصصاً لا تُنسى، حيث تقاطعت طرق النازحين مع تحركات العساكر والجنود. كل تفصيلة في الطريق كانت تؤكد أننا شعبٌ لا يرضى بالذل. فهذا التنوع الجغرافي الذي حاولوا استغلاله لتفتيتنا، تحول إلى درعٍ يحمينا؛ فالصمت في الصحراء يعلمك أن الحق أبلج، وأن الزيف الذي تروج له المليشيا سيندثر.
▪️ حين لاحت دنقلا، كان النخيل يستقبلنا كحراس للتاريخ. لحظة الوصول كانت “ولادة ثانية”؛ تبدد تعب الطريق ليحل محله سكونٌ غامر. دنقلا رمزٌ لصمودٍ لا يلين، استقبلت أبناءها بابتسامةٍ هادئة، تلمع في قلوبنا كجوهرةٍ لا يطالها الغبار.
▪️ لاحت دنقلا ومياه النيل تتراقص ترحيباً. تلاشت ذكريات الرعب، وحلت محلها بشارةٌ بالبدايات. كانت المدينة تفتح أبوابها لنا كعائدين من ساحة الوغى، واثقين من أن النجاة ممكنة. النيل كان يعزف لحن العودة، يفتح صفحةً من أمل يولد من رحم المعاناة.
▪️ استقر بنا المقام في دنقلا وسط الأهل، فكان شقيقي الأصغر “عباس” في مقدمة مستقبلنا عند صينية كبري السليم، وكذلك صهري “عادل مبارك” الذي استضافني وأسرتي الصغيرة بمنزله العامر لأربعة أشهر حسوماً، كما كان استقبال الزملاء كريماً بقيادة “خالد النور”، والوزير “الباقر عكاشة عثمان”، ومحمد الصادق، وسناء عباس، والصحفي “عبد الخالق ود الشريف”. انضم للقاء الإعلاميون: ناجي فاروق، وصلاح التوم، وعماد مأمون، والوسيلة شقاق، وياسر عبد الماجد. كانت تلك اللحظة محطة الختام التي أقيم فيها حتى اليوم.
▪️ مثلت رحلتنا شهادةً حية. جسّد مرتضى مصطفى، ومنير حمد، وأنور محسوب، وعادل مبارك النخوة، بينما رسم الزملاء لوحةً من الوفاء لن تنساها الذاكرة. لم يكن ما عشناه مجرد نزوح، بل مواجهةً يومية مع الخيبة، بحثاً عن وطنٍ لا يطرد أبناءه.
▪️ في رحلة النزوح هذه.. لمسنا نبض الحياة في مدن الجيش هذه؛ الأسواق عامرة، والأمن واقعٌ نعيشه في نظرة الطمأنينة في عيون البائعين. في المقابل، استحضرنا الخرطوم ومدني؛ حيث الحياة أصبحت جحيماً، والرعب يسكن البيوت، وهو واقعٌ قسريٌ دفعتنا الحرب للهروب منه.
▪️ وضعتنا المقارنة أمام مأساةٍ لا تنتهي. فبينما كان مواطن “مدن الجيش” ينام آمناً، يقبع ابن “مدن المليشيا” في قفص الذعر. حضور الدولة هنا هو جوهر الحياة الذي سرقه منا قادة المليشيا وداعموهم؛ وهو ما جعلنا نتشبث بكل ومضةِ أمانٍ وجدناها في رحلتنا نحو الشمال.
▪️ في حلقاتها القادمة سننزل إلى المسكوت عنه من خيبات المجتمع، والممارسات التي شهدها السودانيون بسبب تلك الحرب التي أشعلها حميدتي وداعموه. سنغوص في أعماق الجرح، لا لنشكو، بل لنعري الواقع. فما شهدناه وعاصرناه أعاد تشكيل وعينا. سنواصل كشف الحقائق، ونرسم خارطة للأمل من بين ركام الحرائق، نواصل بإذن الله



