
▪️في تلك اللحظة الحرجة من عمر النهار، وبعد ما آذنت شمس ذاك اليوم بالمغيب، تداخلت القدسية بالوحشية في مشهدٍ سريالي صادم.وتجمد عقرب الثواني حين شق صوت “الله أكبر” صرير السلاح الجاف والمستفز؛ كنا سجوداً نلتمسُ من الله الأمان في صلاة المغرب، والقلوبُ معلقة برحمة السماء، بينما كان الموتُ “المسلح” يشخص فوق رؤوسنا ببرودٍ صقيعي.
▪️وفوهة البندقية تطل من فوق أكتاف المصلين بوقاحةٍ فجة لا ترقبُ في محرابٍ إلاً ولا ذمة، تترصدُ أنفاس الروح وهي في أوج تذللها لبارئها، وكأن هؤلاء الغزاة أرادوا انتزاع السكينة من قلوبنا حتى في حضرة الله.
▪️فور التسليم من الصلاة، نهضتُ والسكينةُ تصارعُ عاصفةً هوجاء من الهواجس تلطم صدري بعنف؛ وبوقار صاحب الدار الذي لا ترهبه الوجوه الغريبة ولا بريق النحاس، بادرتُ ذاك “الجنجويدي” المدجج بالحقد وقسوة المعدن بكلمةٍ مقتضبة حاولتُ بها امتصاص توتر اللحظة: “مرحباً..!!؟”.
▪️لم تكن إجابته سوى صدىً خشناً لترباس بندقيته الذي تحرك بتهديدٍ صامت؛ سأل بفظاظةٍ تقطر ريبةً عن منزل أحد أبناء عمومته الذين يقطنون الحي، لتتحول في تلك اللحظة جغرافيا “الصفوة” قسراً إلى ساحةٍ لاستعراض “القرابات” العرقية فوق جثة السلم الاجتماعي المذبوح.
▪️غادر المسلحُ يتبعه أحد جيراننا، ممن اختاروا في لحظة ضلالٍ تاريخية أن يخلعوا ثوب الجيرة الإنساني النظيف ليرتدوا “كدمول” الخزي.. ولثام السقوط في درك التبعية الذليلة..!!
▪️ذلك الجار الذي انتمى للمليشيا لاحقاً، حاملاً سلاحه ضد من شاطروه الملح والزاد لسنوات، قبل أن يلوذ بالفرار كطريدٍ لعين، تاركاً خلفه بيتاً منبوذاً وتاريخاً من السقوط الأخلاقي المريع.
▪️منذ تلك الليلة الموحشة، صار مشهد “الزوار القتلة” طقساً يومياً ينهش هدوءنا؛ يقتحمون الحي كغزاةٍ سكارى ببريق السلطة الواهمة، يوزعون الوعيد بالذل للآخرين، وينثرون وعود السيادة الزائفة لآلهم وذويهم على أنقاض حقوقنا.
▪️انقسمت “الصفوة” في لحظةٍ فارقة إلى معسكرين لا يلتقيان؛ فرغت المنازلُ من حكايا أهلها وضحكات صغارها، ولم يبقَ في الحي إلا من أعجزته “ذات اليد” عن الرحيل، أو من كان على شاكلتنا؛ مرابطاً يرقبُ المشهد بعين الصحفي التي لا تغفو، وقلبه معلق بطلقة الخلاص.
▪️ورغم اتساع رقعة الخوف، برزت في أزقة الحي قلةٌ مؤمنة، ثلةٌ من المناصرين للقوات المسلحة الذين لم تُرهبهم كثرةُ “السيوف” المسلطة فوق الرقاب؛ كانوا قلةً في العدد، لكنهم كانوا “نخبةً” في الفهم والوعي وعمق الوطنية.
▪️هؤلاء المرابطون بقلوبهم، واجهوا طغيان المليشيا برباطة جأشٍ أسطورية، في وقتٍ انضم فيه لتلك الجماعات المتمردة كل من كان يعاني من “خللٍ” في السلوك أو نقيصةٍ في الأخلاق، ليصبح الصراعُ في شوارعنا صراعاً بين قيم الوفاء للوطن، وبين نزعات السقوط والانحراف.
▪️كان الصمودُ ظاهراً يتجلى في عيون هؤلاء المناصرين الذين أبوا الانكسار، بينما كان قادة المليشيا يمارسون “تقيةً” سياسية بائسة، يزعمون فيها كذباً أنهم جاؤوا لحماية المدنيين، وأنهم لا عداء لهم مع المواطن، وليس لديهم مشكلة مع من التزم بيته وأغلق بابه.
▪️غير أن تلك الوعود المعسولة لم تكن تشبه أفعالهم الهمجية في شيء؛ فخلف تلك المزاعم، كانت سياطُ الإذلال والنهب والترويع تنخرُ في عظم الحي.
▪️ومع ذلك الصمود الأسطوري لمن اختاروا الاصطفاف خلف راية الوطن الكبيرة، بدأت ملامح “المواجهة الصامتة” تأخذ شكلاً أكثر حدة، حيث وقف الحقُ أعزلاً إلا من يقينه، أمام باطلٍ مدجج بالسلاح والزيف.
▪️لكن ضريبة هذا الصمود والثبات كانت “حمراء” وقاسية جداً؛ فقد جن جنون المليشيا حين رأت صلابة الجبال في عيوننا، فبدأت حملة اعتقالات مسعورة يقودها “وشاةٌ” ولدوا من رحم الغدر، يبيعون جيرانهم ورفاق “ونسة” الصباح مقابل فتاتٍ زائل من رضا المسلحين.
▪️أصبحنا نفقدُ في كل فجر وجوهاً ألِفنا مؤانستها؛ رفاق البقالة الذين كنا نحلل معهم المشهد بمرارة يختفون فجأة في جوف الغياب المجهول، لتتحول النظرات في الحي إلى طعنات صامتة، والجميع يخشى من وشاية الجار الذي قد يتحول في لمح البصر إلى جلاد.
▪️ومع اقتراب شهر الصوم من نهايته الحزينة، لم يأتِ الفرحُ الذي كنا ننتظره بلهفة، بل جاءت ليلةٌ وُلدت من رحم الجحيم الخالص؛ فبينما كانت بيوت “الصفوة” توصد أبوابها في صمتٍ ثقيل، كانت طرقات الحي تشهدُ طقساً دموياً مرعباً.
▪️انطلقت صرخاتُ أفراد المليشيا السكارى في العربدة، وهم يحتفلون بقدوم “عيد الفطر” على طريقتهم الوحشية، محولين الطرقات إلى ساحة لإطلاق الرصاص العشوائي الكثيف الذي لم يميز بين حجرٍ أو بشر، وارتطم بالأبواب الحديدية المغلقة بعنفٍ هز أركان المنازل وزلزل القلوب الضعيفة.
▪️جعل ذلك المشهد المرعب العائلات تلوذ بالزحف حبواً على بطونها فوق الأرض الباردة، لتختبئ تحت الأسرة الخشبية والحديدية، بحثاً عن أمانٍ مفقود في ليلةٍ كان يُفترض أن تشرق فيها تكبيرات العيد بالستر والبهجة…!! .
▪️لكنها للأسف أشرقت بفوهات المدافع والبنادق التي حاصرت حتى أحلامنا البسيطة، وتركتنا ننتظر المجهول ونحن نتحسس رقابنا مع كل طلقة طائشة تخترق جداراً أو تكسر نافذة، ليتجسد في أرواحنا المكلومة تساؤل المتنبي المرير الذي ظل يتردد بين جدراننا المحاصرة:
”عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ.. بما مَضَى أم بامرٍ فيكَ تجديدُ؟”
ماذا حدث في صبيحة ذلك العيد؟ وكيف تحولت الفرحة إلى “مرابطة” تحت القصف؟
هذا ما سنرويه في الحلقة القادمة..


