
في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ وطننا، لم يعد الحديث عن تمكين المرأة ترفًا فكريًا أو شعارًا يُرفع في المناسبات، بل أصبح ضرورة وطنية ملحّة، وواجبًا أخلاقيًا ومسؤولية استراتيجية لا تقبل التأجيل.
لقد أثبتت المرأة، خاصة في زمن الحرب والأزمات، أنها ليست مجرد نصف المجتمع، بل عموده الفقري وسنده الصلب. وقفت خلف الرجل سندًا وعونًا، وكانت الركيزة التي لم تتزعزع، وتحملت أعباء الأسرة كاملة في كثير من المناطق، صابرةً محتسبة، تدير البيت، وتربي الأجيال، وتحمي القيم، وتزرع الأمل وسط الركام.
حين غابت مقومات الحياة، كانت المرأة حاضرة.
وحين اشتدت المحن، كانت هي عنوان الثبات.
وحين تفرقت السبل، كانت هي من تجمع شتات الأسرة وتحفظ تماسكها.
فكيف بعد كل هذا لا تكون شريكة في صناعة القرار؟
إن تمكين المرأة اليوم ليس منحة تُعطى، بل حق يُسترد.
هو تمكين في مواقع القيادة، في مؤسسات الدولة، في ميادين الاقتصاد، في لجان الإعمار، وفي رسم السياسات التي تُبنى بها الأوطان. فالمرأة التي أدارت أسرة كاملة في ظروف قاسية، قادرة على إدارة مشروع، ومؤسسة، بل وملف وطني كبير بكفاءة واقتدار.
إن مرحلة إعادة الإعمار تحتاج إلى عقل المرأة وحكمتها، إلى صبرها وبعد نظرها، إلى قدرتها الفطرية على التوازن بين القوة والرحمة، بين الحزم والاحتواء. فبتمكينها نُعيد بناء الحجر، وبوعيها نُعيد بناء الإنسان.
ولا تنمية حقيقية دون بيئة أسرية مستقرة، ولا استقرار دون أم واعية ممكنة، قوية اقتصاديًا، مثقفة، مشاركة في القرار، تشعر بقيمتها ودورها ومكانتها. فالأسرة هي نواة المجتمع، وإذا كانت المرأة هي قلب الأسرة، فإن تمكينها هو حماية للقلب النابض للوطن.
إننا اليوم ننادي صناع القرار، ونخاطب الضمائر الحية، ونطالب بأن يكون للمرأة موقعٌ أصيل في كل خطط المرحلة القادمة؛ لا على الهامش، بل في الصفوف الأمامية. نريد سياسات داعمة، وتشريعات عادلة، وفرصًا متكافئة، وتأهيلًا حقيقيًا يُخرج طاقات المرأة الكامنة إلى ميادين الإنتاج والعطاء.
فالأوطان لا تُبنى بسواعد الرجال وحدهم، بل تتعانق فيها سواعد الرجال والنساء معًا.
والنهضة لا تكتمل إلا حين تسير المرأة جنبًا إلى جنب مع الرجل، شراكةً كاملة لا تبعية فيها ولا إقصاء.
إن تمكين المرأة هو طريق النهضة، وبغيره تظل خطواتنا ناقصة.
فلنمنحها المكان الذي تستحق، ولنفتح أمامها أبواب المشاركة، ولنجعل من قوتها رافعةً للتنمية، ومن عطائها أساسًا لإعادة الإعمار، ومن وعيها ضمانًا لتهيئة مناخ أسري سليم ينشئ جيلًا قادرًا على حمل راية الوطن بثبات واقتدار.
فالمرأة اليوم ليست مطالبة بأن تثبت قدرتها… فقد أثبتتها بالفعل.
إنما المطلوب أن نعترف بها، ونمكّنها، ونثق فيها.
وبه تُصنع النهضة.


