مقالات

حديث_المدينة – عثمان ميرغني -تعويضات متضرري حرب 15 أبريل

حان الوقت للنظر بمنتهى الجدية في ملف التعويضات. صحيح أن أعدادًا كبيرة من السودانيين تعرضوا لخسائر مادية مهولة – فضلاً عن الأرواح البريئة – لكن ضخامة الخسائر ليست مبررًا لتجاهل هذا الملف الحيوي.
هناك تفاوت كبير: بعض المواطنين دُكت منازلهم وسُوِّيت بالأرض تمامًا، وفقدوا معها ممتلكاتهم من أموال وسيارات وذهب ومجوهرات. وآخرون فقدوا مدخرات ثمينة بالدولار كانوا يحتفظون بها في الخزائن الخاصة بالبنوك السودانية. وعشرات الآلاف فقدوا – ربما أقل من ذلك – لكنه كل ما جمعوه خلال سنوات اغتراب طويلة أو عمل شاق داخل البلاد استغرق أعمارهم ونضارة شبابهم.
رجال أعمال فقدوا مصانعهم وبضائع قيمة كانت في المخازن، وآخرون فقدوا مزارع كانت مثمرة وفيها آلات ومعدات باهظة الثمن، وثروة حيوانية لا تُقدَّر بثمن.
تتفاوت الخسائر، لكنها في النهاية تجمعها حسرة كبيرة أصابت المواطنين، ربما أودت بحياة البعض، وآخرون لا يزالون تنزف قلوبهم وهم أحياء من هول المصيبة.
ألا يستحق كل هذا النظر؟
في تقديري، الخطوة الأولى أن تتعامل الحكومة مع الأمر بمنتهى الحساسية والجدية، ليس لتعويض المتضررين فحسب، بل ولجعل هذه التعويضات نوعًا من الإنصاف، رغم أن الفاجعة عمت من تضرروا ومن سلموا أو خرجوا من المحرقة بأقل الأضرار.
الخطوة الأولى: تشكيل هيئة مستقلة معنية برصد وتوثيق الخسائر والمتضررين. وعلى الأقل مبدئيًا، يجب أن تكون هناك آلية لإثبات الدعاوى إداريًا أو قضائيًا وفق مقتضيات الظرف المحيط بها. المهم أن تتمتع الهيئة بالحياد والحيوية للتعامل مع هذا الملف الكبير.
الخطوة الثانية: البحث في صيغ التعويض الممكنة، وهو أمر واسع مفتوح على كثير من الخيارات التي تحتمل مشاركة الجميع باقتراحات تساعد في استفادة أكبر عدد من المتضررين بما يتناسب مع خسائرهم.
يجب أن يراعي الرصد مستويات الضرر حتى يسهل استنباط صيغة التعويض المناسبة. ولا أقصد أن يكون التصنيف بحجم الخسارة فقط، ففي ذلك ظلم كبير لمن تكون قيمة خسارته أقل لكنها تمثل كل ما يملك، بينما تكون خسارة البعض الآخر أكبر قيمة لكنها – قياسًا على ثروته الكلية – تمثل رقماً ضئيلاً.
الخطوة الثالثة: استحداث المبادئ التي بموجبها يتم التعامل مع التعويضات، وفي هذا أقترح التالي:
1 التعويضات عمومًا لا ترفع الغبن عن المتضررين فحسب، بل تمنح شريحة واسعة من المواطنين دفقة أمل وحياة جديدة تساهم في بناء الوطن. بمعنى آخر: كل جنيه يُدفع تعويضًا لمواطن يضخ دمًا في شرايين الوطن ويساعد في سرعة تعافيه وتقوية جسمه.
2 التعويضات ليست كلها مالية، بل بعضها عيني بقدر ما يناسب حجم الضرر وطبيعة المتضرر ونشاطه الاقتصادي.
3 التعويضات مسنودة بخطاب قومي يجعل منها بلسمًا معنويًا يعجِّل بإزالة آثار الحرب النفسية والمعنوية.
وفي تقديري يمكن تقسيم الأضرار مبدئيًا إلى فئتين:�الفئة الأولى: أضرار الأشخاص (المنازل والسيارات والأموال والذهب وغيرها).�الفئة الثانية: أضرار الأعمال (المصانع والمزارع والمخازن والأسواق والمحال التجارية مهما صغرت أو كبرت).
هذا التقسيم مهم جدًا لأنه يمنح الفرصة لترتيب الأولويات. فمن المفيد أن تكون الأولوية لتعويضات الأعمال، لأن عودة النشاط التجاري والصناعي والزراعي تعني توفير فرص عمل لآلاف آخرين خارج نطاق المتضررين المباشرين.
يمكن أن تتخذ التعويضات عدة أشكال إضافة إلى المادية المباشرة، مثل: منح فرص استيراد بتخفيضات أو إعفاء كامل من الجمارك، أو منح قطع أراضٍ، أو رخص مشاريع، وغيرها من المنح التي تساعد على سرعة التعافي ونمو الأعمال والمشاريع.
من الحكمة أن تبدأ الدولة في فتح هذا الملف وإدارة حوار وطني حوله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى