منوعات

معاوية السقا يكتب.. من الرماد إلى الضفة.. النيل الأزرق تستعيد مجراها وعمار شيلا يعيد للشاشة بريقها

قصة مدير شاب تسلم تركة من رماد ورفض أن تنطفئ الشاشة الزرقاء.. من البث من خيمة في بورتسودان إلى العودة التاريخية من أم درمان في فبراير 2026

لم تكن مجرد قناة. كانت نافذة السودانيين إلى بعضهم. في بيت الطين في مقاصر، وفي شقة المغترب في الرياض، وفي دكان الحي في أم درمان، كان لونها الأزرق هو اللون المشترك الوحيد الذي يجمعهم.

ثم جاءت الحرب. احتُل مقرها في أم درمان منذ رصاصتها الأولى، ونُهبت أجهزتها عن آخرها، وسُرقت كاميراتها، وتحول الاستوديو الذي غنى فيه الجابري وقدمت فيه ليالي رمضان إلى ثكنة. وحين حرر الجيش المقر، ذُهل العاملون من حجم الخراب الذي طاله، حتى خُيل أن الشاشة لن تعود.

لكن الشاشة الزرقاء رفضت أن تنطفئ.

هنا تبدأ قصة عمار فتح الرحمن شيلا، المدير الشاب الذي تسلم تركةً من رماد. لم يبكِ على الأطلال، ولم ينتظر معونة من أحد. في أحلك أيام الحرب، اتخذ قراراً سيكتبه التاريخ بحروف من نور، وضع شعار تلفزيون السودان الرسمي مكان شعار النيل الأزرق، وقال لطاقمه في بورتسودان إن مهمتنا الآن ليست المنافسة، بل أن يبقى السودان حاضراً في الفضاء. فبثت النيل الأزرق من بورتسودان كجندي مخلص في الميدان، بشراكة تكاملية مع الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، تنقل أخبار معركة الكرامة، وتبشر بالانتصارات، وتوصل صوت الدولة حين انقطعت كل الأصوات. كانت قناة مجتمع تبث من خيمة، لكنها بثت وظلت وفية لجمهورها.

وحين تحررت أم درمان، بدأ شيلا من الصفر. نظف الاستوديوهات بيديه وبيدي طاقمه من الفنيين والمذيعين والإداريين. رمم استوديو النيل والاستوديو الرئيسي، وأعاد الشبكة الهندسية، وطمأن الجميع بأن المكتبة البرامجية بخير ولم تطالها يد التخريب. كان يعمل بحب وصدق، كما وصفه العاملون، فأعاد ترتيب البيت من جديد.

وفعلاً، في الأول من فبراير 2026، عادت النيل الأزرق لتبث من مقرها التاريخي بأم درمان، بعد أن بلغت أعمال التأهيل أكثر من ثمانين في المائة، وبأجهزة جديدة دشنتها القناة. أقيمت احتفالية جميلة داخل الاستوديو ترحيباً بالمدير العام العائد من القاهرة، لم تكن احتفالاً بمسؤول، بل احتفاءً بقائد عبر بهم الحرب. وقد زارها عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر واطمأن على الترتيبات، مثمناً دورها الطليعي في كشف مؤامرة الحرب والتصدي لمحاولات تزييف الحقائق. كما اجتمع بها وزير الثقافة والإعلام خالد الإعيسر في سبتمبر الماضي بمقر الإذاعة والتلفزيون بأم درمان، وأثنى على الجهود التي بذلها العاملون عبر الشراكة التكاملية خلال الفترة الماضية.

ما فعله عمار شيلا ليس مجرد إدارة، بل هو استرداد لمعنى القناة الأهلية التي لا تملكها حكومة ولا يمولها حزب، بل يملكها الناس. لهذا ظل جمهورها في دول الجوار يسأل عنها كل يوم، ولهذا صمم شيلا برامج خاصة للمغتربين لتكون القناة همزة وصل بينهم وبين ذويهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى