منوعات

معاوية السقا يكتب: مدني تستعيد وجهها.. الثقافة تعود من بين الركام

حراك كبير تقوده وزارة الثقافة والإعلام بالجزيرة - إذاعة ودمدني اكتملت 100% وتلفزيون الجزيرة 90% ومسرح الجزيرة يستعد للعودة

لم تكن الجزيرة يوماً مجرد رقعةٍ خضراء في قلب السودان، بل كانت وجداناً كاملاً، وذاكرةً للغناء، ومنبراً للكلمة. وعندما سكتت مدافع الحرب، كان أول ما يجب أن يعود هو الصوت، صوت الثقافة، لأن الشعوب لا تنهض بالخبز وحده، بل بالمعنى.

وما نشهده اليوم في ودمدني ليس مجرد عمليات صيانةٍ وترميم، بل هو فعل استعادةٍ للروح. حراك كبير تقوده وزارة الثقافة والإعلام بولاية الجزيرة، يقف خلفه رجل آمن أن التعافي لا يكتمل بغير الثقافة.

لقد تابعنا، كما تابع أهل الجزيرة جميعاً، كيف عادت الحياة تدب في شرايين المدينة الثقافية. فهذه *إذاعة ودمدني*، حنجرة الجزيرة التي صمتت قسراً، قد اكتملت صيانتها بنسبة 100%، لتعود لتبث من جديد أغنيات الحصاد وأخبار المزارع. وذلك *تلفزيون الجزيرة* قد تجاوزت أعمال تأهيله 90%، استعداداً ليطل من جديد بصورة الولاية المشرقة.

ولم يقف الجهد عند الأثير والصورة، بل امتد إلى الذاكرة والمكان. فها هو *متحف الولاية* يُرمم، و *قصر الثقافة ومكتبته* يُعاد إليهما البهاء، ليكونا بيتاً للباحث والقارئ والمبدع.

ثم كان التتويج، *مسرح الجزيرة*. ذلك المسرح الذي كان يوماً رئة مدني التي تتنفس بها مسرحاً وشعراً وموسيقى. اليوم، يقترب من استعادة دوره في التعافي الثقافي بالولاية، بعد توقف لسنوات. وقد شهدنا وزير الثقافة والإعلام الأستاذ *عبد الرحمن إبراهيم مختار*، يرافقه وزير التخطيط العمراني المهندس أبوبكر عبد الله، يقفان ميدانياً على سير أعمال الصيانة، في رسالةٍ تقول إن الحكومة هنا، وأن الثقافة أولوية، لا هامش.

لقد قال وزير الثقافة والإعلام كلمةً بليغة، أن إعادة تأهيل مسرح الجزيرة تمثل الحلقة الأخيرة في اكتمال منظومة التعافي الثقافي. وما أصدقها من عبارة! فما قيمة إعمار الجدران إن لم نعمر الإنسان؟ وما قيمة الطرق إن لم تكن هناك أغنيةٌ تُغنى عليها؟

إن ما يقوم به الوزير عبد الرحمن مختار وفريقه ليس إدارةً لمرفق، بل هو ترميمٌ لوجدانٍ ممزق. وفي خضم ذلك، جاءت مبادرات المجتمع، كمبادرة جمعية بكاب التي تبرعت بمكتبةٍ متكاملة ومنظومة طاقة شمسية للمجمع الثقافي، فوصفها الوزير بأنها نقلة نوعية للقطاع الثقافي والإعلامي بالولاية، وهو تقدير يكشف عن رجلٍ يرى الثقافة مشروعاً جماعياً، لا عملاً وزارياً منغلقاً.

ولم ينس الوزير أن يستجلب الأجهزة والمعدات الحديثة لفضائية الجزيرة، إدراكاً منه أن الصورة اليوم هي سلاح العصر، وأن الجزيرة تستحق أن تُرى بأحدث التقنيات، لا بأرشيفٍ قديم.

إننا أمام نموذجٍ لما يجب أن يكون عليه المسؤول بعد الحرب: لا ينتظر التعليمات من المركز، بل يبادر، يرمم، يبني، يعيد للمدينة ضحكتها.

فشكراً لوزارة الثقافة والإعلام بولاية الجزيرة، وشكراً للوزير الذي أيقن أن بناء المسرح أهم من بناء المنصة، وأن عودة الميكروفون لإذاعة ودمدني أهم من عودة أي خطابٍ سياسي.

من هنا، من مدني، يبدأ التعافي الحقيقي. ومن قصر الثقافة، ومسرح الجزيرة، وإذاعة ودمدني، ستُكتب رواية السودان الجديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى