المجتمع

العلاقات العاطفية عبر الفيس بوك.. سنوات الضياع

المحور نيوز | مجتمع | تحقيقات

حين تحولت الشاشة الزرقاء إلى نافذة للقلوب، وباتت كلمة *”متصل الآن”* وعداً باللقاء، و*”جاري الكتابة…”* نبضاً يسبق البوح، دخل جيل كامل في رهان عاطفي افتراضي، ظنّه البعض طريقاً مختصراً للحب، فإذا به دهليز طويل من الانتظار، والحنين، و*سنوات الضياع*.

البداية.. إعجاب يتحول إلى وطن
تبدأ الحكاية غالباً بإعجاب عابر على منشور، أو تعليق يحمل قدراً من الذكاء، أو صورة توقظ الفضول. تتسلل الرسائل الأولى خجولة: *”منشوراتك راقية”*، *”تشبهين فكرتي عن الأنثى”*، ثم تتوالى الليالي البيضاء خلف الكيبورد. يتشكل وطن من كلمات، وتُبنى مدن كاملة من الوعود المؤجلة، ويرسم الطرفان ملامح بعضهما على جدار الخيال.
فيسبوك، بمساحته المفتوحة على الغرباء، منح الجميع جرأة البوح التي لا تتيحها اللقاءات الواقعية. صار الحب يُعلن بـ *”ريأكت قلب”*، ويُوثق بـ *”ريليشن شيب”*، ويُقاس بعدد ساعات المحادثة، وطول *”الفويسات”* المتبادلة عند الفجر.

الوهم اللذيذ.. حين يصبح الغياب حضوراً
تكمن خطورة العلاقات الافتراضية في قدرتها الفائقة على صناعة *”الوهم اللذيذ”*. فالطرف الآخر حاضر دوماً دون عبء الحضور، مثالي دون اختبار العيوب، متاح دون التزام. لا رائحة عرق بعد يوم شاق، لا صوت مرتفع عند الغضب، لا خلاف على مصاريف البيت. فقط صورة منتقاة، وكلمات منمقة، واقتباسات تلامس جرحاً قديماً.
تقول *”س.م”*، 29 عاماً، للمحور نيوز: *”عشت أربع سنوات مع شخص لم أره إلا في الصور. حفظت صوته، ومواعيد نومه، وتفاصيل حزنه. خططنا للبيت والأطفال. وفي يوم قرر أن يختفي. لا مبرر، لا وداع. فقط حساب تم إلغاء تنشيطه. وكأنني أحببت شبحاً”*.

سنوات الضياع.. الحصاد المر
الزمن في العلاقات الافتراضية مطاط. يمر العام كأنه شهر في البدايات، ثم يصبح الشهر كأنه دهر حين تبدأ المماطلة. *”ظروف أهلي”*، *”الوضع المادي”*، *”أنتظر ترقية”*… أعذار معلبة تُعلق عليها الفتاة عمرها، ويُعلق عليها الشاب نضجه العاطفي.
الدكتور *طارق عبد الله*، استشاري علم النفس الاجتماعي، يوضح: *”فيسبوك يخلق علاقة إدمانية وليست عاطفية. الدماغ يفرز دوبامين مع كل إشعار، مع كل رد. فيعتقد الطرفان أنهما يحبان، بينما هما في الحقيقة يدمنان حالة الترقب. والخطر أن هذه السنوات تُخصم من رصيد العمر الواقعي، من فرص الارتباط الحقيقي، من النضج الاجتماعي”*.

الخسائر.. ما بعد الحظر
حين تنتهي العلاقة الافتراضية، لا يكون الانفصال عن شخص، بل عن *”مشروع حياة وهمي”*. تنهار المخططات، وتتبخر الوعود، وتُترك الفتاة في مواجهة مجتمع يسأل *”لماذا تأخرتِ؟”*، ويُترك الشاب مع برود عاطفي يصعب علاجه.

الأسوأ أن الكثيرين يخرجون من تجربة الخذلان الافتراضي بشك مزمن في الواقع. تصبح كل علاقة جديدة موضع ريبة، وكل كلمة غزل موضع اتهام، لأن الثقة دُفنت مع حساب تم حذفه.

النجاة.. بين العقل والقلب
ليست كل العلاقات عبر فيسبوك محكومة بالفشل. بعضها أثمر زيجات ناجحة حين انتقلت من الشاشة إلى الواقع سريعاً، وحين خضعت لاختبار الزمن والمواقف واللقاء.
لكن القاعدة الذهبية التي يجمع عليها المختصون: *”الافتراضي مقدمة، وليس بيتاً”*. فإن طالت المقدمة أكثر من فصولها المنطقية، تحولت إلى *سنوات ضياع*. الحب الذي لا يجرؤ على عبور بوابة الواقع، ولا يتحمل تكلفة مكالمة فيديو واضحة، ولا يسعى للقاء الأهل… هو حب يخاف من نفسه قبل أن يخاف من الظروف.
فيسبوك منحنا فرصة اللقاء، لكنه سلب منا شجاعة المواجهة. وبين *”أونلاين”* و *”أوفلاين”* ضاعت أعمار، وتأجلت أحلام، وكُتبت آلاف القصائد لعناوين بريد إلكتروني لم تعد موجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى