
في بلادٍ اعتادت أن تُقسَّم مقاعدها بين راياتٍ حزبية محفوظة، وأن تُحسم دوائرها بتعليمات المركز، ظهر رجلٌ من أقصى الشمال، بلا ماكينة حزب، ولا تاريخ تنظيمي، ولا خطابٍ أيديولوجي، فانتزع مقعداً ظل لربع قرن حكراً على الحزب الحاكم.
ذلك هو أبو القاسم محمد أحمد برطم.
وُلد برطم في جزيرة مقاصر، تلك الجزيرة الوادعة التي يحتضنها النيل في دنقلا، عام 1964، ونشأ كما ينشأ أبناء الشمال؛ على قدرٍ من الصلابة وعلى كثيرٍ من العصامية. درس الفيزياء حتى نال درجة الماجستير من جامعة طرابلس، ثم طوى الكتاب الأكاديمي وفتح دفتر التجارة، فصار رجل أعمالٍ له حضوره في مجالات الزراعة والنقل، داخل السودان وخارجه.
لكن اسمه لم يسطع إلا في عام 2015. حينها، ترشح مستقلاً عن الدائرة القومية دنقلا (2) بشعار بسيطٍ وعميق: *”ولدنا لخدمة بلدنا”*. لم تكن خلفه لافتات الأحزاب، بل رغبة أهله. فكانت المفاجأة أن أسقط مرشح المؤتمر الوطني، أمين التعبئة والتنظيم في الحزب الحاكم نفسه، بلال عثمان بلال، في نتيجةٍ حيّرت المراقبين وأربكت حسابات المركز. لُقّب يومها بـ *”قالع الشجرة”*، إذ كان شعار المؤتمر الوطني شجرة.
من ذلك الفوز، لم يعد برطم مجرد نائب. شكّل مع ثمانية عشر نائباً مستقلاً كتلة النواب المستقلين في البرلمان، ورأسها، وتحول من صوتٍ منفردٍ يمثل دنقلا إلى صوتٍ معارضٍ داخل برلمانٍ كان يُعتبر ديكوراً لنظام البشير. كان يقول بوضوح: “ملفات الفساد ستذهب إلى المحكمة دون اعتبار لأحد”، في زمنٍ كان قول ذلك تهمة.
برطم ليس سياسياً بالمعنى التقليدي. هو لا ينتمي لمدرسة اليسار ولا اليمين الإسلامي، وقد رفض عروض استقطابٍ عديدة قائلاً إن الأحزاب نفسها جزءٌ من الأزمة. قوته ليست في التنظير، بل في ثلاث خصال نادرة في ساستنا:
*أولاً: العصامية.* رجلٌ بدأ من بيع الدفاتر المدرسية ليرسلها من ليبيا إلى السودان، إلى أن بنى إمبراطورية أعمال. يعرف معنى القرش ومعنى الجوع، لأنه عاش في قشلاق البوليس ببحري في بيت جده، وذاق مرارة فقدان والده وهو طالب في الغربة.
*ثانياً: البراغماتية الجريئة.* هو أول سوداني أعلن صراحةً تنظيم رحلة لـ 40 سودانياً من مزارعين وفنانين وأساتذة جامعات إلى إسرائيل في 2020، وقال إن هدفه “كسر الحاجز النفسي”. أيد التطبيع في وقتٍ كان 79% من السودانيين يرفضونه حسب استطلاعات الرأي. قد تختلف معه أو تتفق، لكنك لا تستطيع أن تنكر أنه رجلٌ لا يخشى السباحة ضد التيار إن اقتنع بفكرة.
*ثالثاً: ارتباطه بالأرض.* ظل يكرر: “أنا مع أهلي حتى لو طلبوا إلغاء الشريعة أو إقامة علاقات مع إسرائيل”. قد تبدو العبارة صادمة، لكنها تلخص فلسفته: النائب وكيلٌ لدائرته، لا وصي عليها.
لهذا، حين سقط النظام، لم يسقط برطم. بل اختير عضواً في مجلس السيادة الانتقالي كممثلٍ لإقليم الشمال، ضمن الأربعة عشر مرشحاً الذين تقدم بهم الشمال، قائلاً: “هذا استحقاق للشمال، وظهوري السياسي ليس جديداً”.
أبو القاسم برطم ليس ملاكاً ولا شيطاناً. هو نموذجٌ للسياسي الجديد الذي أنجبته الأزمة السودانية: رجل أعمالٍ ناجح، مستقلٌ عن الأحزاب، قريبٌ من الناس، جريءٌ إلى حد الاستفزاز، وطموحٌ لا يخفي طموحه. حتى أنصاره أعلنوا في 2018 عن ترشيحه لرئاسة الجمهورية في انتخابات 2020 التي لم تقم.
في زمنٍ تتآكل فيه الرموز الحزبية، يبقى برطم ظاهرةً تستحق الدراسة: كيف استطاع رجلٌ واحدٌ بلا حزب أن يهزم حزباً حكم ثلاثين عاماً في عقر داره؟ والجواب ربما في مقاصر نفسها: حين يكون النيل هو الحزب، والأهل هم التنظيم، تصبح المعادلة مختلفة.




