
*الرياض – المحور*
واجه الحفل الجماهيري للفنانة السودانية ميادة قمر الدين، الذي نظمته شركة البروف مساء الجمعة بالعاصمة السعودية الرياض، موجة من الانتقادات والتساؤلات على منصات التواصل الاجتماعي، بشأن حجم الحضور الفعلي، رغم الحملة الإعلانية الضخمة التي سبقت المناسبة وشملت منصات رقمية ولافتات في أحياء الجالية.
وبحسب مقاطع فيديو متداولة وشهادات متطابقة من عدد من الحاضرين، بدا أن عدداً كبيراً من المقاعد ظل شاغراً حتى منتصف الحفل، فيما قدر متابعون نسبة الحضور بما لا يتجاوز 40% من السعة الكلية للقاعة، وهو رقم اعتبره مراقبون دون التوقعات لحفل يحمل اسم فنانة بحجم وجماهيرية ميادة قمر الدين.
حسابات لم تكن دقيقة؟
ويرى منتقدون أن شركة البروف، التي تعتبر من أبرز منظمي الحفلات السودانية في الخارج، ربما لم توفق في تقدير حجم الإقبال المتوقع في الرياض تحديداً. فالرياض ليست كالقاهرة أو دبي، حيث يتركز عدد كبير من السودانيين في أماكن محدودة، كما أن طبيعة الحياة وكلفة المعيشة هناك مختلفة تماماً.
وقال أحد منظمي الحفلات السابقين لـ”المحور”: “تنظيم حفل في الرياض يتطلب قراءة مختلفة للسوق، الجمهور السوداني في السعودية مشغول بتحسين وضعه المعيشي، وتحويلات الأسر، ورسوم الإقامة والمرافقين، وقراره لحضور حفل بـ 150 أو 200 ريال لا يكون سهلاً كما في القاهرة حيث التذكرة أرخص وخيارات الترفيه محدودة”.
الظرف الأمني عامل إضافي
ولم يغفل بعض المعلقين الإشارة إلى الظرف الأمني الراهن في المملكة، في ظل الأنباء المتداولة عن استهداف مواقع حيوية، وهو ما قد يدفع بعض الأسر لتجنب التجمعات الكبيرة، خاصة وأن الحفل أقيم في مساء يوم الجمعة وهو وقت تفضل فيه الكثير من الأسر البقاء في المنازل.
ورغم أن الجهات الرسمية السعودية لم تعلن عن أي قيود على الفعاليات الترفيهية، إلا أن حالة القلق العام تنعكس بطبيعة الحال على قرارات الجمهور، وهو عامل كان يجب على الشركة المنظمة وضعه في الحسبان عند تحديد موعد الحفل وحجمه.
الجمهور المستهدف.. من هو؟
تثير هذه الواقعة تساؤلات أعمق حول طبيعة الجمهور المستهدف للحفلات السودانية في السعودية. فالجالية السودانية هناك، رغم كثافتها، هي جالية عاملة في المقام الأول، أولوياتها تتمثل في تأمين السكن والتعليم وتحويلات الأسر في السودان في ظل ظروف الحرب والنزوح.
وهنا يبرز الفارق مع الجالية في مصر، حيث يقيم معظم السودانيين كلاجئين ويعتبر الحفل متنفساً اجتماعياً وثقافياً شبه وحيد، بينما في السعودية الخيارات الترفيهية الرسمية متعددة، ومنافسة شركات الترفيه العالمية قوية.
هل الأسعار مناسبة؟
وبحسب ما تم تداوله، تراوحت أسعار التذاكر بين 100 و250 ريالاً، وهو مبلغ يراه البعض مرتفعاً مقارنة بمتوسط دخل الفرد من الجالية. وقال أحد أبناء الجالية في تعليق على فيسبوك: “نحن نحب ميادة وكل فنانينا، لكن بـ 200 ريال أقدر أرسل مصاريف أسبوع لأهلي في مدني”.
في المقابل، دافع مقربون من شركة البروف عن التجربة، مؤكدين أن تنظيم الحفلات في السعودية مكلف جداً من حيث إيجار القاعات والتراخيص والضرائب والفنانين، وأن هامش الربح ضئيل أصلاً، وأن الشركة غامرت من أجل إسعاد الجالية.
ميادة.. الضحية؟
ومن المهم التأكيد أن الانتقادات لا تستهدف الفنانة ميادة قمر الدين نفسها، التي قدمت بحسب الحضور أداءً مميزاً وغنت لساعتين متواصلتين، بل تستهدف التخطيط والتسويق والتوقيت. فميادة تظل واحدة من أكثر الفنانات السودانيات جماهيرية في الخليج، وحفلاتها السابقة في جدة والدمام كانت ناجحة بامتياز.
دروس للمستقبل
تعيد هذه التجربة النقاش حول جدوى تنظيم الحفلات الجماهيرية الكبيرة في السعودية في الوقت الراهن، وضرورة توجه الشركات إلى حفلات أصغر، بأسعار رمزية، أو حفلات عائلية مغلقة، مع دراسة دقيقة لأماكن تواجد الجالية وقدرتها الشرائية.
كما تبرز الحاجة لتنويع مصادر الدخل للفنانين السودانيين في الخارج، عبر الرعايات والبث الرقمي المدفوع، بدلاً من الاعتماد الكلي على بيع التذاكر.
في النهاية، يبقى حفل ميادة في الرياض تجربة تستحق الدراسة، ليس للتقليل من جهود شركة البروف، بل لتطوير صناعة الحفلات السودانية في الخارج لتكون أكثر واقعية وملاءمة لظروف الجمهور.




