منوعات

معاوية السقا يكتب هاشم محمود.. حين تصبح “مناطق الصمت” هي الرواية

في حوار “ظلال الزيرفون” مع القاص والروائي الإرتري *هاشم محمود* الذي نشرته “أصداء سودانية”، لا يقدم لنا الرجل سيرته الذاتية فقط. يقدم لنا مفتاحاً لفهم ما تبقى من إنسانية في زمن الضجيج.

الجملة التي توقف عندها القلم كانت: *”لكل كاتب مناطق صمت يظل يحتفظ بها لأنها أكبر من اللغة أو لأن زمنها لم يحن بعد”*.

هذه ليست جملة أدبية. هذا إعلان موقف.

هاشم محمود إرتري يكتب بالعربية، ويؤس اتحاد الكتاب الإرتريين “بالمهجر والمنفي”. هو نموذج للمثقف الذي صنع وطنه من الورق. حين تغلق الحدود، وتضيق اللغة الرسمية، وتُصادر الذاكرة، يلجأ الكاتب إلى “سرد هادئ شفيف يمزج الواقعي بالرمزي” كما قال.

هنا السودان لا يظهر كـ”دولة إيواء” فقط، بل كـ”فضاء سردي”. الخرطوم التي استقبلت هاشم وغيره، هي نفسها التي علمته أن “نرى العالم حكايات قبل أن نراه أحداث”. هذه هي الهجرة العكسية: المهاجر يمنح البلد المضيف عمقاً لغوياً جديداً.

في زمن التيك توك والخبر العاجل، يأتي هاشم ليقول: “أسعى قدر ما أستطيع إلى سرد هادئ”. هذه مقاومة.
مقاومة لفكرة أن الأدب يجب أن يكون صاخباً ليُسمع. يقول لنا: الصمت نفسه نص. والمناطق التي لا نكتب عنها الآن، هي التي ستنقذنا لاحقاً.

هذا يصفع مباشرة ثقافة “النشر الفوري” و”الترند”. يذكرنا أن الرواية الحقيقية تحتاج 17 كتاباً، ودكتوراه، وعمراً كاملاً.. لا بوست.

المفارقة المؤلمة: نحتفي بأديب له 17 كتاباً في صفحة ثقافية، بينما صفحات الحوادث والسياسة تأخذ 8 أعمدة.
سؤال الحوار الذي لم يُسأل مباشرة: من سيقرأ هاشم محمود؟
إذا كان القارئ السوداني مشغولاً بانحسار النيل وحظر السلع، فأين مكان “مسافر زاده الخرشوفات”؟

هنا مسؤولية الصحافة. نشر الحوار خطوة. لكن الخطوة الأهم هي أن نحول “ظلال الزيرفون” من زاوية في الصفحة الأخيرة، إلى مشروع قراءة عامة.

حوار فائزة إدريس مع هاشم محمود يذكرنا بحقيقة بسيطة ننساها: الدول لا تُبنى بالسياسات وحدها. تُبنى بمن يملكون “مناطق صمت” ويحولونها إلى لغة.

هاشم لا يطلب تعاطفاً لأنه “لاجئ” أو “مهاجر”. يطلب قارئاً.
وطلب القارئ في 2026 هو أخطر أنواع الثورة.

*”منذ سنوات القراءة الأولى شعرت أن القصة تسكنني”*.. وليتنا نترك القصة تسكننا نحن أيضاً، قبل أن نغرق في ضجيج الأخبار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى