
في هذا الوطن الذي أنهكته الحروب وتعبت فيه الأرواح من الركض خلف الأمل، لم يعد التعليم مجرد فصلٍ دراسي أو سبورةٍ وطباشير، بل صار آخر ما نتمسك به حتى لا نسقط تماماً. لكنه اليوم يقف على حافةٍ موجعة، كطفلٍ يتيمٍ يبحث عن من يأخذ بيده فلا يجد سوى الضجيج.
ما يحدث ليس بسيطاً كما يبدو، وليس مجرد اختلاف في أساليب الشرح، بل هو انكسارٌ صامت لقيمةٍ كانت تُشبه الضوء. حين يتحول الدرس إلى مسرحٍ للضحك العابر، ويصبح المعلم ممثلاً يبحث عن التصفيق لا الفهم، نكون قد خسرنا شيئاً أكبر من مجرد وقتٍ ضائع… خسرنا المعنى.
الطلاب الذين يصفقون اليوم لذلك “الخفيف”، سيكتشفون غداً أنهم كانوا يصفقون لفراغٍ كبير، وأن ما بدا ممتعاً كان يخفي هشاشةً لا تُبنى عليها حياة. فالعلم لا يُؤخذ بالضحك، ولا يُختصر في مشاهد مرتجلة، ولا يُقاس بعدد المتابعين.
مؤلم أن نرى الحصص تتحول إلى عروض، وأن تُختزل هيبة المعلم في مشهدٍ هزلي، وأن يُسرق الجهد الحقيقي بصمت، بينما يتصدر الضجيج المشهد. ومؤلم أكثر أن بعضهم يظن أنه يقدّم شيئاً، بينما هو في الحقيقة يسحب البساط من تحت أقدام جيلٍ كامل.
لسنا ضد الفرح، ولا ضد التبسيط، لكننا ضد الابتذال حين يلبس ثوب التعليم. وضد أن يصبح المستقبل مادةً للترند، وضد أن تُختصر الرسالة في لقطةٍ عابرة تُنسى مع أول انشغال.
في داخلي حزنٌ لا يُقال، لأنني أعرف أن هذا الوطن لا يحتمل خسارة أخرى، وأن التعليم إذا اهتز، اهتز كل شيء بعده.



