مقالات

مسارب الضي | د. محمد تبيدي -ذكرى التحام كرري والمهندسين… يوم انكسرت منظومات النار وصمد الرجال

وعلى حد قولي:
إذا اشتدَّ الخطبُ في ساح الوغى
تقدّم الصابرون ولم ينحنوا
ومن بين الحصار يولد النصر
إذا صدق العزم واستقام العهد

في مثل هذا اليوم، السادس عشر من فبراير، تعود الذاكرة إلى واحدة من المحطات الفارقة في معارك الصمود الوطني وهي التحام جيش كرري وجيش المهندسين عام 2024. لم يكن الأمر مجرد تقدم عسكري في جغرافيا معقدة، بل كان كسراً لحصار، وإعادة رسم لمعادلة ميدانية فرضتها ظروف قاسية من تطويق وجوع ومسغبة.
تلك الأيام لم تكن سهلة. الأحياء كانت مسارح اشتباك مفتوحة، الشوارع ضيقة، والزقاقات ملغومة بالخطر. القناصة يعتلون العمارات، ومنظومات الكورنيت والهاونات موزعة بعناية لاصطياد أي تحرك. ومع ذلك، تقدمت القوات المسلحة ومعها البراؤون والمستنفرون، موقعاً تلو الموقع، بناية إثر بناية، حتى تم تنظيف العمارات ودحر القناصين وإبطال مفعول منصات الموت.
التحام جيش كرري وجيش المهندسين لم يكن حدثاً عابراً في سياق الحرب، بل لحظة استعادة زمام المبادرة. حين وصلت القوات إلى شارع العرضة، لم يكن الطريق مفروشاً إلا بالنار. من تكساس إلى عمق العرضة، كانت المواجهة مباشرة، بلا وسائط، وبلا خطوط خلفية آمنة. تقدم عنوةً واقتداراً، كما يقال، لكن خلف العبارة كانت تضحيات جسام.
القوات المسلحة أظهرت في تلك المعركة عقيدة قتالية صلبة وانضباط في الحركة، تنسيق بين الوحدات، واقتحام مدروس لمناطق حضرية شديدة التعقيد. حرب المدن ليست كسائر المواجهات كل نافذة احتمال خطر، وكل سطح منصة رصد، وكل منعطف كمين محتمل. ومع ذلك، تم اجتياز الشوارع والأحياء واحداً تلو الآخر، في عملية تطهير دقيقة استنزفت الخصم وأفقدته قدرته على المبادرة.
أما البراؤون والمستنفرون، فقد جسدوا معنى الالتحام الشعبي مع المؤسسة العسكرية. لم يكونوا مجرد سند معنوي، بل قوة إسناد ميداني، يعرفون الأزقة، ويدركون تفاصيل المكان، ويشاركون في تثبيت المواقع وتأمينها بعد التحرير. في لحظات الحصار والجوع، كان الصمود النفسي لا يقل أهمية عن الذخيرة. الروح المعنوية كانت السلاح الموازي للسلاح.
حرق مدافع الـ23 لم يكن مجرد تدمير عتاد، بل رسالة بأن موازين القوة يمكن أن تتغير حين تتوفر الإرادة. دحر منظومات الكورنيت والهاونات أنهى مرحلة من التهديد المباشر للمدنيين قبل العسكريين، وأعاد شيئاً من الطمأنينة لأحياء أنهكها الرعب.
هذه الذكرى لا تُستدعى للتهليل المجرد، بل للتوثيق. التوثيق بأن النصر لم يكن وليد صدفة، بل نتيجة تخطيط وصبر وثبات. وبأن الحصار، مهما اشتد، يمكن أن يُكسر إذا توحدت الجبهة الداخلية مع الميدان. وبأن الجوع والمسغبة لم يمنعا الرجال من التقدم، بل زاداهم إصراراً على إنهاء المعاناة.
التحام جيش كرري وجيش المهندسين أعاد تعريف السيطرة في تلك البقعة من الخرطوم. لم يعد الخصم يتحرك بحرية كما كان، ولم تعد منصاته النارية تفرض إيقاعها. تغيرت المعادلة، وتبدلت خطوط التماس، وبدأت مرحلة جديدة عنوانها استعادة الأرض شارعاً شارعاً.
في الذكرى، تُذكر الأسماء التي صمدت، والوجوه التي رابطت، والدماء التي سالت لتفتح طريقاً للحياة. تُذكر القوات المسلحة بعقيدتها، ويُذكر البراؤون والمستنفرون باندفاعهم، ويُذكر كل من ثبت في موقعه رغم القصف والجوع.
هو نصر من الله أولاً، ثم بعزيمة رجال آمنوا بأن الوطن أكبر من الحصار، وأن الأرض لا يحرسها إلا أهلها. وبين كرري والمهندسين، كُتب فصل من فصول الصمود، سيبقى شاهداً على أن المعارك تُحسم بالإرادة قبل العتاد.

وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى