مقالات

معاوية السقا يكتب :ود مدني سيرة وانفتحت .. عفوا صحة الجزيرة .. الرد المهني يكون ببيانات تشغيلية ومؤشرات أداء، لا بتحليل نوايا كاتب.

حين يُطلب من الصحفي أن يثبت على نغمة واحدة، فذلك ليس دفاعاً عن المهنية، بل مطالبة مبطّنة بالتطبيل. ما كُتب سابقاً عن تحسّن الأداء الصحي في ولاية الجزيرة كان توصيفاً لمرحلة محددة، بوقائعها ومعطياتها. وما يُكتب اليوم عن تعثر أو إخفاق هو توصيف لمرحلة أخرى بوقائع مختلفة. هذه ليست ازدواجية، بل جوهر العمل الصحفي قراءة الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يُرى.
القول إن الإشادة السابقة تُلزم الكاتب بالصمت اللاحق هو منطق دعائي لا مهني. الصحافة ليست عقد ولاء دائم، بل عقد التزام بالحقيقة. إذا تحسّن الأداء يُذكر، وإذا تراجع يُكشف. الاتساق الحقيقي ليس في تكرار المديح أو تثبيت النقد، بل في ثبات المعيار المصلحة العامة أولًا.
بدل الانشغال بفكرة “تبدل المواقف”، كان الأجدر الرد بالأرقام
كم عدد العمليات التي أُجريت خلال الأشهر الأخيرة؟
ما نسبة إشغال الأسرة؟
ما حجم الكوادر العائدة فعلياً مقارنة بما قبل الحرب؟
ما زمن الانتظار للحالات الطارئة؟
كم مركزاً تخصصيًا يعمل بكامل طاقته؟
الرد المهني يكون ببيانات تشغيلية ومؤشرات أداء، لا بتحليل نوايا كاتب. الحديث عن عودة الطوارئ واستئناف العمليات عبارات عامة، لكنها لا تنفي حدوث توقف هنا أو تعثر هناك. النظام الصحي ليس لوحة ثابتة هو كيان ديناميكي يتأثر بالقرارات اليومية. فإذا حدث خلل إداري أدى إلى إضراب أو توقف خدمة، فهذه واقعة تستحق النشر، حتى لو كانت ضمن مسار تعافٍ أوسع.
التحول في الخطاب ليس دليلاً على تقلب، بل انعكاس لتحول في الوقائع. ومن يفترض أن الواقع لا يتغير بهذه السرعة، فليقدّم ما ينفي التغير. أما مطالبة الصحفي بأن يبقى أسيراً لكتابة سابقة، فذلك تجميد للضمير المهني.
الصحافة ليست خصومة مع المؤسسات، لكنها أيضًا ليست مظلة حماية لها. من خدم يُذكر، ومن أخفق يُسأل. هذه معادلة بسيطة. وإذا كانت هناك إنجازات أكبر من أن تُختزل في مقال، فلتُعرض في تقارير مفصلة للرأي العام، مدعومة بمؤشرات قابلة للتحقق.
أما الحديث عن “ثبات الأقلام”، فالثبات الحقيقي هو ثبات البوصلة، لا ثبات العبارة. البوصلة هنا واضحة مصلحة المواطن. المواطن لا يعنيه الجدل النظري حول اتساق الخطاب؛ يعنيه أن يجد خدمة مستقرة، وقراراً رشيداً، واستجابة سريعة عند التعثر.
وأقولها بوضوح سأظل، أنا معاوية السقا ابن ولاية الجزيرة، أكتب حين أرى نجاحاً فأُشيد به، وأعود بقلم أشد حين أرى إخفاقاً فأكشفه. هذا ليس تبديل موقف، بل ممارسة طبيعية لدور صحفي يقف مع الحق حيث كان، لا مع الأشخاص ولا مع المناصب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى