
في وقتٍ تتعالى فيه الشكوى من تراجع الخدمات الصحية في كثير من ولايات البلاد، تخرج ولاية القضارف بصورة مغايرة تماماً، لا عبر الشعارات، بل عبر أرقامٍ وواقعٍ ميداني، جعلها تتصدر المشهد الصحي في السودان بشهادة المركز نفسه.
وزارة الصحة بولاية القضارف، بقيادة الدكتور أحمد الأمين آدم وزير الصحة المكلف، قدمت تجربة إدارية ومهنية تستحق الوقوف عندها بجدية. الرجل لم يكتفِ بإدارة المكتب، بل نزل إلى الميدان، أعاد ترتيب الأولويات، واشتغل على بناء نظام صحي متكامل يقوم على الرعاية الأولية، والتخصصات الدقيقة، وتوطين العلاج داخل الولاية، حتى لا يضطر المواطن إلى السفر طلباً لخدمة يفترض أن تكون متاحة في محيطه.
الدور الفني لم يكن أقل بروزاً. اختصاصي نواقل الأمراض والحشرات محمد أبكر داوود قاد برنامج مكافحة النواقل باحترافية واضحة، مع تشديد الرقابة البيئية وتحسين أنظمة التخلص من النفايات الطبية والصحية، وهو ما انعكس مباشرة على انحسار أمراض الضنك والحميات والملاريا. العمل هنا لم يكن موسمياً، بل مؤسسياً، يعتمد على الرصد والمتابعة والتدخل المبكر.
وفي ملف الشراكات، برز اسم البروفيسور علم الهدى مسؤول المنظمات بالوزارة، الذي أحسن إدارة العلاقة مع الجهات الداعمة، موجهاً الدعم نحو أولويات حقيقية لا مشاريع شكلية. أما في الطب العلاجي، فقد كان للكوادر الطبية، ومن بينهم الظماور معاز، دور فاعل في رفع مستوى الخدمة، وتوسيع دائرة التخصصات، وتحسين بيئة المستشفيات.
الزيارة التي قام بها وكيل أول وزارة الصحة الاتحادية الدكتور علي بابكر سيد أحمد والوفد المرافق له من مديري الإدارات الاتحادية لم تكن بروتوكولية. الوفد تفقد المستشفيات والمؤسسات الصحية، والتقى مديري الإدارات بالوزارة، واطلع على تفاصيل النظام الصحي بالقضارف، وعلى جهود تطوير الأداء في المحليات، وتوفر التخصصات الطبية، وخطوات توطين العلاج.
التقييم جاء صريحاً: الصحة بالقضارف أصبحت نموذجاً في تقديم الخدمات الطبية على مستوى السودان. إشادة الوكيل لم تكن مجاملة سياسية، بل قراءة لواقع ملموس، خاصة في مجال التغطية الصحية وبرامج الرعاية الصحية الأولية، التي تشكل العمود الفقري لأي نظام صحي ناجح.
القضارف أثبتت أن الإدارة الرشيدة قادرة على صناعة الفارق، حتى في ظل التحديات الاقتصادية والضغوط العامة التي تمر بها البلاد. حين تتكامل الرؤية مع الكفاءة، ويتحول التخطيط إلى تنفيذ، يصبح الإنجاز ممكناً.
هذه التجربة ينبغي ألا تمر مرور الكرام. المطلوب أن تُوثق، وتُدرس، وتُعمم، حتى تتحول من نجاح محلي إلى سياسة وطنية. فالصحة ليست ملفاً خدمياً فحسب، بل ركيزة استقرار وأمن اجتماعي.


