
مدني ليست مدينة عادية في جغرافيا السودان هي ذاكرة ثقافية، ومنبر شعر، ومسرح تاريخ، ومهد حركة فكرية ظلّت تؤثر في المشهد الوطني لعقود. لكنها اليوم تقف أمام سؤال قاسٍ:
أين وزارة الثقافة والإعلام من هذا الإرث؟
الواقع لا يحتمل التجميل. الوزارة كما يراها الوسط الثقافي خاملة، بلا خطة استراتيجية واضحة، بلا رؤية تشغيلية تقيس الأداء بالمؤشرات، وبلا برنامج زمني يحرك الفعل الإبداعي من الركود إلى المبادرة. الثقافة لا تُدار بردود الأفعال، بل بخطط خمسية، وموازنات موجهة، وشراكات مدروسة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني.
المسرح، وهو أيقونة المدينة، بنياته التحتية متهالكة. صالات تحتاج إلى تأهيل، تجهيزات صوت وإضاءة متقادمة، بيئة غير جاذبة للفنان ولا للجمهور. المسرح ليس مبنى فقط هو رسالة. وإذا سقطت رسالته، سقط معه جزء من هوية مدني.
داخل الوزارة نفسها، تُثار شكاوى عن فوضى إدارية وتسيب وظيفي وبيئة عمل متردية. الإدارة العامة ليست وجاهة، بل انضباط ومتابعة وتقييم أداء. حين يغيب النظام المؤسسي، تتحول المؤسسة إلى هيكل بلا روح. الثقافة تحتاج إلى إدارة تعرف معنى الحوكمة، وتفهم أن الموظف المنتج هو رأس المال الحقيقي.
الميزانية بحسب ما يُتداول تقارب عشرين مليار جنيه شهرياً. السؤال المشروع:
تُصرف على ماذا؟
أين بند التطوير؟
أين مشاريع الاستثمار الثقافي؟
أين برامج دعم المبدعين؟
الشفافية المالية ليست ترفاً، بل واجباً أخلاقياً وإدارياً. كل جنيه يُصرف يجب أن يقابله أثر واضح في الميدان.
الوزارة تمتلك مساحات شاسعة في مواقع استراتيجية. هذه الأصول يمكن أن تتحول إلى روافد دخل مستدام عبر الاستثمار الثقافي مراكز تدريب، قاعات متعددة الأغراض، شراكات مع شركات إنتاج، مهرجانات مدفوعة، معارض دائمة. لكن أن تبقى الأراضي مغلقة أو غير مستغلة، فذلك إهدار اقتصادي لا يليق بمؤسسة يفترض أن تقود الوعي والإبداع.
المشكلة الأعمق أن الوزارة تُدار بعقلية استهلاكية لا إنتاجية. تنتظر المخصصات بدل أن تخلق موارد. تعتمد على الصرف الحكومي بدل أن تبني نموذج اقتصادي ثقافي مستدام. في عالم اليوم، الثقافة صناعة، وليست نشاطاً هامشياً. السينما، المسرح، الموسيقى، الفنون البصرية، كلها قطاعات قادرة على خلق وظائف وزيادة الدخل المحلي.
أما “العرض خارج الزفة”، فهي توصيف رمزي لحالة انفصال بين القيادة والقاعدة. المدير العام يجب أن يكون في قلب المشهد الثقافي، لا على هامشه. القيادة الثقافية ليست منصب إداري فقط، بل حضور فكري وتواصل دائم مع المبدعين. إن لم يشعر الفنان بأن الوزارة بيته، فلن يطرق بابها.
مدني تستحق وزارة فاعلة، بخطة مكتوبة ومعلنة، بجدول فعاليات سنوي، بمهرجانات تعيد الحياة للمدينة، ببرامج لاكتشاف المواهب، وبصندوق لدعم الإنتاج الفني. تستحق شراكات مع الجامعات، ومع المدارس، ومع القطاع الخاص. تستحق أن تتحول الثقافة فيها إلى قوة ناعمة تعزز الاقتصاد المحلي والسياحة الداخلية.
الموضوع ليس نقداً عابراً، بل إصلاح هيكلي ومراجعة شاملة للهيكل الإداري.
إعلان ميزانية تفصيلية للرأي العام.
استثمار الأصول غير المستغلة.
تأهيل البنيات التحتية وعلى رأسها المسرح.
إطلاق خطة استراتيجية بثلاثة محاور الإنتاج، التدريب، الاستثمار.
مدني أرض الثقافة والإبداع، لكنها لن تظل كذلك بالشعارات. الإبداع يحتاج إدارة تعرف قيمته، وتمويل يُحسن توجيهه، وقيادة تقف في قلب الزفة لا خارجها

