التقارير

الهلال الأحمر… حين تتحول الإنسانية إلى فعل دولة. سمير عثمان…اخترنا أن نكون في قلب النار لا على هامش الحدث

ودمدني :- تاج السر ود الخير

** الهلال الأحمر السوداني… شهادة ميدان على واحدة من أعقد التجارب الإنسانية في الجزيرة

استناداً على حديث الأستاذ: سمير عثمان محمد نور | مدير الهلال الأحمر السوداني – فرع ولاية الجزيرة، لم تكن مسيرة الهلال الأحمر السوداني في ولاية الجزيرة مجرد استجابة طارئة لظروف استثنائية، بل كانت اختباراً حقيقياً لمعنى العمل الإنساني حين يتقدم الصفوف، ويتحوّل من شعارات إلى أفعال، ومن مؤسسات إلى نبض مجتمع كامل. ما جرى في الجزيرة، والمناقل، ومدني، لم يكن عملاً عابراً، بل ملحمة إنسانية مكتملة الأركان، صنعتها سواعد المتطوعين، ووعي المجتمع، وتكامل مؤسسات الدولة.

المناقل… عاصمة الصمود وضمير العمل الإنساني

في واحدة من أصعب مراحل النزوح التي شهدتها الولاية، أثبتت محلية المناقل أنها أكثر من جغرافيا، كانت ملاذاً آمناً وضميراً حياً. استقبلت أكثر من مائة وسبعة وأربعين ألف نازح موزعين على ما يقارب مئتين وواحد وستين معسكراً، في مشهد لم يكن ليمر لولا تماسك المجتمع وتكامل الأدوار.
الهلال الأحمر في المناقل، بقيادة إدارة محلية واعية ومتطوعين مخلصين، عمل وسط ظروف قاسية، لكنه وجد سنداً مجتمعياً نادراً. التجار، المشايخ، الإدارات الأهلية، ولجنة الإيواء العليا، جميعهم شكّلوا حائط صد إنساني حمى النازحين ووفّر لهم الإيواء والغذاء والعلاج بكرامة.

الصحة أولاً… من الصيدلية المجانية إلى إدارة الوبائيات

أدركنا مبكراً أن الصحة هي معركة البقاء الأولى، فأنشأنا الصيدلية المجانية التي كانت تصرف ما بين 120 إلى 130 روشتة يومياً، بالتنسيق الكامل مع وزارة الصحة ومستشفى المناقل. لم يكن ذلك عملاً إسعافياً فقط، بل نظاماً متكاملاً خفف الضغط على المستشفيات وحمى آلاف الأسر من الانزلاق إلى المجهول.
في المعسكرات، قُدِّمت حملات التوعية، وإصحاح البيئة، ومكافحة الأوبئة، وتحوّل العمل الصحي من تدخل فوقي إلى شراكة حقيقية مع النازحين أنفسهم، بعد تدريبهم وتمكينهم ليكونوا جزءاً من الحل لا مجرد متلقين للخدمة.

بناء الإنسان… الإسعافات الأولية والدعم النفسي

إحدى أهم محطات العمل الإنساني كانت تدريب أكثر من ألفين وثمانمائة نازح في الإسعافات الأولية خلال خمسة عشر يوماً فقط. هذا البرنامج لم يكن تدريباً تقنياً فحسب، بل كان إعادة بناء للثقة، وإعادة الاعتبار للإنسان في قلب الأزمة.
إلى جانب ذلك، تم تنفيذ برامج الدعم النفسي بمشاركة مختصين ومنظمات شريكة، استهدفت الفئات الأكثر هشاشة، في ظل صدمات الفقد والنزوح والضغوط النفسية العالية، لتتحول المعسكرات من بؤر أزمة إلى مساحات تعافٍ تدريجي.

تحرير مدني… الهلال الأحمر في خط النار الإنساني

مع لحظة تحرير ود مدني، كان الهلال الأحمر في الميدان منذ الساعات الأولى. دخلنا المدينة وسط دمار واسع وتحديات مركبة، وتحركت فرق التعقيم، وإدارة الجثث، والتثقيف، والمسح الميداني، بالتنسيق الكامل مع الولاية واللجنة الأمنية ووزارة الصحة والدفاع المدني.
أكثر من أربعمائة متطوع عملوا لأيام متواصلة في ظروف قاسية، بلا موارد كافية، وبإصرار نادر، أعادوا للمستشفيات قدرتها على العمل، وللشوارع حدها الأدنى من السلامة، وللمجتمع ثقته بأن التعافي ممكن.

التكامل المؤسسي… حين تعمل الدولة بروح واحدة

ما تحقق لم يكن ليتم لولا التناغم العالي بين الهلال الأحمر، والسلطات التنفيذية، ووزارة الصحة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والمنظمات الشريكة. من إنشاء المحارق الطبية، ومحطات المياه، إلى دعم المستشفيات، وتنظيم الامتحانات القومية، واستضافة آلاف الطلاب، كانت الجزيرة نموذجاً للتكامل في أحلك الظروف.

نحو 2026… من الاستجابة إلى الإعمار

نحن اليوم لا نتحدث عن إسعاف أزمة، بل عن مشروع إنساني متكامل للمستقبل. خطتنا للعام 2026 تقوم على أربعة محاور أساسية: المياه، الصحة، الحماية، والعيادات الجوالة، مع توسعة برامج التدريب، والدعم النفسي، والتأهيل المجتمعي.
بدعم القيادة العليا للهلال الأحمر، والشركاء الدوليين، ومفوضية العون الإنساني، نمضي نحو مرحلة جديدة يكون فيها الهلال الأحمر جزءاً أصيلاً من إعادة إعمار الجزيرة، لا شاهداً على أزماتها فقط.

الهلال الأحمر… ذاكرة وطن وضمير شعب

ما جرى في الجزيرة سيظل شاهداً على أن العمل الإنساني حين يُدار بوعي، ويُسند بمجتمع حي، يمكنه أن يصنع الفارق حتى في أحلك اللحظات. الهلال الأحمر السوداني لم يكن مجرد منظمة، بل كان ذاكرة وطن، وضمير شعب، وخط الدفاع الأول عن الإنسان السوداني حين ضاقت به السبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى