
■ حينما تصبح “التفاهة” ديناً يُعبد في معابد الميديا، ويتحول “الفراغ” إلى تريند يقود قطيع الوعي نحو الهاوية، كان لابد من صرخة فنية تزلزل هذا السكون المخيف سلسلة “كتمت” ليست مجرد دراما، بل هي “مبضع جراح” اقتحم جسد المحتوى الرقمي المسرطن ليطهر ذائقتنا العامة من عَبث العابثين الذين استمرأوا خراب الوجدان الجمعي.
■ نحن اليوم نعيش في زمنٍ غريب، تقتات فيه قنوات الميديا على “اللاشيء”، وتصدر فيه التفاهة كسلعة رائجة تضر بالمجتمع أكثر مما تنفعه، ومن هنا انطلقت فلسفة “كتمت” لتناقش في قالب كوميدي ساخر قضايا مجتمعنا الحية، وتحاكم بجرأة تلك المنصات التي تروج للزيف وتساهم في تحطيم المعايير الأخلاقية والجمالية تحت بريق الشهرة الزائف.
■ حبكة” كتمت” الدرامية تضعنا أمام مرآة الواقع عبر ثلاثة شباب اجتمعوا على مائدة الفشل، وبمحض صدفةٍ “عبثية” وثقوا مشكلة في إفطار جماعي، لتتحول سقطتهم إلى “تريند” عابر للآفاق، ومن هذه النقطة تنفجر أحداث السلسلة لتكشف زيف النجاح الرقمي، وتشرّح كيف يُصنع “الأبطال الورقيون” في عالمٍ لا يعترف إلا بعدد المشاهدات ولو كانت على حساب القيم.
■ هذا البناء الفني الرصين نبتت بذرته من فكرة ذكية لمظهر أحمد صالح، بينما صاغ “ناجي شرف الدين” السيناريو والحوار وتولى دفة الإخراج، ليشكل هذا الثنائي رؤية بصرية وحوارية تخرج بالكوميديا من حيز “الإضحاك المجرد” إلى فضاء “النقد البناء”، مؤكدين أن الفن الحقيقي هو الذي يمتلك القدرة على مواجهة القبح بالجمال والزيف بالحقائق.
■ وما منح “كتمت” ثقلها الاستراتيجي وقيمتها الفنية، هو ذاك الحشد الإبداعي الذي جمع بين عمالقة الدراما القومية ومواهب الشمالية الفذة، بوجود الأساتذة صلاح أحمد محمد، ومدثر عبد السلام، وهشام صلاح الدين، ومصطفى عبد الشكور، بجانب الحضور الطاغي لمظهر وناجي وسامي وعمر الترس، ومشاركة كوكبة من نجوم الولاية والأطفال، في تمازجٍ فني فريد.
■ أُنجز هذا العمل الضخم وسط مناخٍ جمالي باهر يشبه إنسان الشمالية في نقائه، حيث كانت كواليس التصوير تضج بروح الفريق والانسجام؛ وكان العمل محفوفاً ببركة ودعوات البسطاء وحب إنسان الولاية خاصة أهالي ضاحية “مراغة” الذين فتحوا لهؤلاء المبدعين قلبوهم قبل دورهم ليكون شركاء بالاصالة في هذا النجاح، فجاءت المشاهد محملةً بصدق الأرض وعبق النيل وعنفوان الانتماء.
■ وعلى الصعيد المؤسسي، مثلت حكومة الولاية الشمالية، متمثلة في وزير الثقافة والإعلام المكلف وقناة الشمالية، وبإشراف مباشر من والي الشمالية، السند الحقيقي والعمود الفقري لهذا العمل، وهي وقفة تؤكد أن الدولة حين تتبنى الإبداع الجاد، فإنها تضع الحجر الأساس في بناء جبهة الوعي التي تحمي المجتمع من التفتت الفكري.
■ تجلت المؤسسية في أبهى صورها عبر شراكة إنتاجية ثلاثية جمعت بين المجلس الأعلى للثقافة والإعلام بالولاية الشمالية، وقناة الشمالية، ومجموعة “كتمت”، وهي شراكة نموذجية تبرهن بدورها على أن تكامل الجهود الرسمية مع المبادرات الفنية المستقلة هو الطريق الوحيد لإنتاج محتوى رفيع ينافس في سوق المشاهدة ويحمل رسالة تربوية وطنية.
■ تطل السلسلة خلال الشهر الفضيل على جمهورها عبر شاشة قناة الشمالية الفضائية وقناة “حكاوينا سودانية” على اليوتيوب لتثبت أن المادة الجادة يمكنها أن تخطف الأنظار وتنافس بضراوة، فالجمهور السوداني بوعيه الفطري يلتف دائماً حول الأعمال التي تحترم عقله وتناقش أزماته بصدق، بعيداً عن الابتذال والتهريج الذي لا يورث إلا الغثيان الفكري.
■ عموما، يبقى طموح هؤلاء المبدعين أكبر من مجرد شارة مسلسل، بل هو حلمٌ يهدف للمساهمة في نهضة السودان ورفعته؛ فـ”كتمت” هي رسالة حب ووفاء، من هؤلاء الشباب للوطن والولاية، لتبقى الفن سلاحاً مشرعا في معركة البناء، ومنارةً تطرد ظلام التزييف، وفانوساً يضيء دروب الوعي نحو مستقبلٍ يليق بعظمة شعبنا الصابر.



