
التحية للقوات المسلحة السودانية، قيادةً وضباطاً وصفّ ضباط وجنوداً، وهي تمضي بثبات في معركة الكرامة، رافعة راية الدولة في وجه الفوضى، ومجددة العهد مع شعبٍ صابرٍ مكلوم، قدّم خيرة أبنائه شهداء من أجل أن يبقى السودان وطناً لا مزرعة، ودولة لا غنيمة. المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، والشفاء العاجل لجرحانا، والحرية الكاملة لكل أسير، والصبر والسلوان للشعب السوداني الذي تحمّل ما لا تحتمله الجبال.
عودة كادوقلي إلى حضن الوطن تمثّل نقطة تحوّل استراتيجية في مسار الحرب، لأنها لا تعني استعادة مدينة فحسب، بل تعني استعادة مفصل ميداني ظلّ لسنوات هدفاً لقوى التمرّد وأدوات الخارج. كادوقلي ليست رقعة جغرافية عادية، بل بوابة جنوب كردفان، ومفتاح الربط بين مسارح العمليات في الوسط والغرب، ونقطة توازن حساسة في الصراع الدائر. حينما يفرض الجيش كلمته هناك، فهو لا ينتصر في معركة محدودة، بل يغيّر ميزان القوة في الإقليم بأكمله.
من الناحية العسكرية البحتة، فإن السيطرة المحكمة على كادوقلي تعني ارتباط خطوط الإمداد بعضها ببعض، وانتهاء حالة الفصل التي حاولت المليشيا فرضها عبر عمليات الكر والفر. هذه العودة تُمكّن القوات المسلحة من إعادة تنظيم مسار العمليات، وتأمين خطوط الحركة، وضرب تجمعات العدو في العمق، لا سيما تلك التي ظلت تعتمد على الإمداد عبر الحدود مع دولة جنوب السودان. تلك الحدود التي استُخدمت بلا خجل كممر للوقود، والسلاح، والمرتزقة، ستصبح تحت المراقبة الصارمة، ما يجعل الإمداد المعادي أكثر كلفة وأقل جدوى.
أما مطار كادوقلي، فإن أهميته تتجاوز كونه منشأة خدمية. هو في الحسابات العسكرية نقطة إسناد ولوجستيات، يمكن من خلالها دعم القوات في مسارح متعددة، كما يمكن أن يكون منصة لانطلاق سلاح الجو السوداني مسيرته لضرب عمق المليشيا، سواء في مهام الاستطلاع أو الإسناد الجوي أو قطع خطوط الإمداد. وفي ذات الوقت، يظل المطار شرياناً إنسانياً لإيصال المعونات والمساعدات للمدنيين، في رسالة واضحة أن الجيش لا يقاتل الشعب، بل يقاتل من اختطفوا الدولة واعتدوا على الناس.
التقديرات الميدانية تشير إلى أن المرحلة التالية ستشهد عمليات عسكرية مكثفة شمالاً وغرباً، مع التزام واضح بتأمين المدن التي تم تحريرها، ومنع عودة الفوضى، وحماية الأعيان المدنية من أي اعتداءات غادرة. هذا النهج يعكس تطوراً في الأداء العملياتي، حيث لم تعد المعركة مجرد استعادة أرض، بل تثبيت أمن، وبناء ثقة، وإعادة الحياة تدريجياً للمناطق المتضررة. المدنيون في غرب البلاد، الذين عانوا من الهجمات الغادرة والنهب والقتل، سيكونون أول المستفيدين من هذا التحول.
وفي كردفان، بات المشهد أوضح من أي وقت مضى. ما تبقى من نقاط سيطرة المليشيا يتآكل يوماً بعد يوم، ومع كل تقدم للقوات المسلحة، تتكشف هشاشة التمرد، وتظهر حالة التخبط داخل قياداته. الحديث عن تحرير آخر النقاط في الإقليم لم يعد أمنية، بل مؤشراً تدعمه الوقائع الميدانية، وحالة الانهيار المعنوي التي تعيشها عناصر المليشيا، بعد أن أدركوا أنهم تُركوا لمصيرهم، وأن وعود الكفيل لم تكن سوى سراب.
أما في دارفور، حيث تحاول المليشيا الاحتماء بحواضن اجتماعية محدودة، فإن المشهد لا يقل سوءاً بالنسبة لهم. فالوجود وسط المدنيين لم يعد درعاً آمناً، بل عبئاً إضافياً، مع تنامي الوعي الشعبي بحقيقة هذه العصابات التي لم تجلب للإقليم سوى القتل والتشريد. استعادة المناطق ستتم واحدة تلو الأخرى، ليس فقط بالقوة العسكرية، بل أيضاً بانفضاض البيئة الحاضنة عن مشروع الفوضى، حينما يتضح أن الدولة عائدة لا محالة.
الكفيل، الذي ظلّ يمدّ المليشيا بالدعم السياسي والمالي والإعلامي، سيكتشف قريباً أن هذا الاستثمار خاسر. فالإمداد حين يُقطع، أو يُرهق، أو يُصبح بلا عائد، يتحول إلى عبء، وتبدأ مرحلة التنصّل. التاريخ القريب مليء بأمثلة المليشيات التي أُحرقت أوراقها حينما انتهى دورها. ومليشيا آل دقلو ليست استثناءً من هذه القاعدة.
وفيما يتعلّق بالحركة الشعبية شمال، جناح الحلو، فإن خياراتها تضيق يوماً بعد يوم. لا مكان للمناورة في ظل تقدّم الجيش وبسط سيطرة الدولة. إما التسليم والانخراط في مسار وطني حقيقي، أو المغادرة نحو دولة جنوب السودان. كلا الخيارين لا يخدم المليشيا المتمردة، ولا يخدم كفيلها، لأن المعادلة على الأرض تغيّرت، ولم تعد السلاح والتمرد وسيلة لفرض شروط سياسية.
إن معركة الكرامة التي يخوضها الجيش السوداني اليوم ليست معركة جغرافيا فقط، بل معركة وعي وسيادة وهوية. هي معركة ضد مشروع تفكيك الدولة، وضد تحويل السودان إلى ساحة مرتزقة، وضد من ظنّوا أن المال يمكن أن يشتري الوطن. ولهذا السبب، فإن هذه المعركة ستُدرّس في الكليات العسكرية، ليس فقط كنموذج في القتال، بل كنموذج في الصبر، والانضباط، والالتزام بقضية وطنية واضحة.
الخزي والعار لمليشيا الدعم السريع المتمردة، التي خانت العهد، وارتكبت الجرائم، ودمّرت المدن، وقتلت الأبرياء. الخزي والعار لحكومة تأسيس وقحت، ولكل من وفّر الغطاء السياسي أو الإعلامي أو الأخلاقي لهذا التمرد. والخزي والعار لكل مرتزق باع ضميره ووطنه مقابل مال أو سلطة زائلة.
سيظل الجيش السوداني أعظم مؤسسة وطنية، لأنه لم يُبنَ على عصبية أو مصلحة، بل على عقيدة وطنية راسخة. وسيظل السودان، رغم الجراح، أرض الرحب والسعة، والكرم، والجود، عصياً على الانكسار، لأن خلف جيشه شعباً يعرف قيمة الوطن، ويدرك أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع.



