التقارير

مدني تعود من قلب الأزمة رؤية تنفيذية لإعادة بناء المدينة والدولة معاً

تقرير : تاج السر ود الخير

مدني تعود من قلب الأزمة رؤية تنفيذية لإعادة بناء المدينة والدولة معاً
————

** من الحرب إلى التخطيط: كيف ترسم محلية مدني الكبرى ملامح التعافي في 2026م

** عودة أسرع من التوقعات تحديات أكبر

**المدير التنفيذي يكشف كواليس إدارة ما بعد التحرير

** الخدمات أولاً ثم الاستثمار معادلة محلية مدني الكبرى لاستعادة الحياة
مدينة بلا آليات وبإرادة كاملة

**معركة البنية التحتية في ود مدني

** الصحة والتعليم في صدارة

الأولويات: رهان محلية مدني على الإنسان

** الأسواق والنفايات والأمن: ملفات يومية في قلب قرار المحلية

** التحصيل الإلكتروني واستعادة الدولة المحلية مدني تختبر التحول الرقمي

** من الاستثمار الهش إلى المنتج كيف تريد مدني تغيير صورتها الاقتصادية

** المواطن شريك في التعافي
**قراءة في خطاب المحلية بعد الحرب

** مدني بين رماد الحرب ورهان الدولة
** قراءة تحليلية في رؤية المدير التنفيذي لمحلية مدني الكبرى للعام 2026

ودمدني :- تاج السر ود الخير

لم تكن عودة مدينة ود مدني إلى الحياة مجرد حدث إداري عابر، بل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة المحلية على النهوض من تحت أنقاض حرب طالت الإنسان والمكان والبنية المؤسسية معاً. وفي لقاء صحفي كاشف، وضع الأستاذ عادل محمد الحسن الخطيب، المدير التنفيذي لمحلية مدني الكبرى، ملامح مشهد معقد تتداخل فيه تحديات ما بعد الحرب مع رهانات إعادة الإعمار وبناء الثقة واستعادة الوظيفة الكاملة للمدينة. حديثه لم يكن سرداً لإنجازات فقط، بل تشخيصاً دقيقاً لأزمة، وخارطة طريق واقعية لمرحلة تتطلب شجاعة القرار قبل وفرة الإمكانات.

عام استثنائي وعودة غير متوقعة

يقر المدير التنفيذي بأن العام 2025 شكّل مرحلة استثنائية بكل المقاييس، فرضتها ظروف الحرب وتحرير مدينة ود مدني، وما تبع ذلك من عودة طوعية للمواطنين بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً. هذه العودة المفاجئة – بحسب حديثه – وضعت المحلية أمام ضغط هائل لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية في مدينة ظلت لعامين خارج دائرة التعمير، الأمر الذي استدعى تدخلاً عاجلاً في المياه والكهرباء والطرق والأسواق والمواصلات.

ويؤكد الخطيب أن ما تحقق في تلك المرحلة لم يكن جهداً حكومياً محضاً، بل نتاج شراكة واسعة ضمت منظمات المجتمع المدني، والمبادرات الطوعية، وأبناء المدينة، إلى جانب أجهزة الدولة، وهو ما أسهم في عودة المحلية بصورة فاقت التقديرات الأولية.

إعادة بناء الدولة من الداخل

لا يتعامل المدير التنفيذي مع إعادة الإعمار باعتبارها مشاريع إسفلت وأسوار فقط، بل كعملية شاملة لإعادة بناء مؤسسات الدولة المحلية. فقد ركزت المحلية – وفق حديثه – على إعادة تهيئة بيئة العمل نفسها، من مكاتب وأثاثات وحواسيب ومعدات، باعتبار أن الإدارة المنهكة لا تستطيع خدمة مدينة خارجة من الحرب.
ويشير إلى أن الأداء المالي في نهاية العام 2025 كان أفضل من المتوقع، ما مكّن المحلية من استعادة جزء معتبر من بنيتها المؤسسية، والدخول إلى العام 2026 برؤية أوضح لسد النواقص المتبقية.

الصحة والتعليم… أولوية ما بعد الحرب

يضع الخطيب القطاع الصحي في صدارة أولويات خطة 2026، مشيراً إلى أن المحلية أفردت له حيزاً واسعاً شمل تأهيل المراكز الصحية، توفير المعدات والمعامل، استكمال الكوادر، ودعم البنية التحتية بالطاقة الشمسية. ويكشف أن أكثر من 23 مركزاً صحياً أُعيد تأهيلها بدعم مباشر من منظمات المجتمع المدني والمنظمات العالمية، لتصبح صالحة لتقديم الخدمة من جديد.

وفي قطاع التعليم، يوضح أن المحلية ركزت على صيانة المدارس، وترميم الفصول والسقوفات، وتوفير الاحتياجات الأساسية، إلى جانب العمل الكبير المتعلق بفصل المرحلة المتوسطة عن الابتدائية، وهي خطوة وصفها بأنها معقدة ومكلفة، لكنها ضرورية لإعادة هيكلة العملية التعليمية على أسس سليمة.

الشؤون الهندسية والخريف… معركة الآليات

أحد أخطر التحديات التي يطرحها المدير التنفيذي يتمثل في فقدان المحلية لآلياتها الهندسية بنسبة تقارب 100%. هذا النقص – بحسب حديثه – يهدد قدرة المحلية على التعامل مع الطرق الترابية، الردميات، وتصريف مياه الخريف.

ولهذا وضعت خطة 2026 برنامجاً طموحاً لاستعادة الآليات الأساسية مثل اللوادر والقلابات والكانترات، مع توزيع التنفيذ على أربعة أرباع سنوية، في محاولة واقعية للتدرج وفق الإمكانات المتاحة.

الوحدات الإدارية والتحصيل… عصب الأداء

يربط الخطيب بوضوح بين كفاءة الوحدات الإدارية وقدرة المحلية على تقديم الخدمة، موضحاً أن ما تحقق في 2025 لم يتجاوز 50% من المطلوب، وأن استكمال النسبة المتبقية يتطلب مركبات، ومواتر، وكوادر متخصصة في التحصيل.

ويؤكد أن التحصيل يمثل “الهم الأكبر”، لأن غيابه يشل قدرة المحلية على الحركة، وهو ما يفسر تركيز خطة 2026 على التحول إلى التحصيل الإلكتروني، رغم التحديات المتعلقة بنقص البنية التحتية والأجهزة الطرفية، والتي تنتظر المحلية استكمالها من وزارة المالية.

الأمن… استعادة الطمأنينة كشرط للتعافي

في الجانب الأمني، يشير المدير التنفيذي إلى تحسن ملحوظ في الوضع العام، بفضل اجتماعات لجنة أمن المحلية الدورية، والتناغم بين الشرطة والاستخبارات والأجهزة الأخرى. ويؤكد أن التعامل مع البلاغات يتم بصورة فورية، مع انتشار الطوافات الليلية، وشراكات فعالة مع الهلال الأحمر والشرطة المجتمعية، بما يعزز الشعور بالأمان في الأحياء والأسواق.

الاستثمار… من الهش إلى المنتج

ينتقل الخطيب إلى ملف الاستثمار بوصفه عصب التمويل الحقيقي للمحلية، كاشفاً عن مراجعة شاملة للخطط الاستثمارية السابقة، خاصة في السوق الشعبي القديم وشرق مدني وسوق الرحاب. ويؤكد وجود طلبات متزايدة من مستثمرين داخل وخارج الولاية في مجالات المعمار، الرياضة، والخدمات الفندقية.
ويشدد على أن المحلية تسعى للانتقال من الاستثمار الهش والتقليدي إلى نماذج أكثر إنتاجية وعائداً، مع إعادة إحياء الحدائق العامة ومناطق الترفيه لتعود مدني كمدينة جاذبة للحياة والاستثمار معاً.

الأسواق والنفايات… عقدة المدينة اليومية

لا يخفي المدير التنفيذي قلقه من الوضع الحالي للأسواق، واصفاً إياه بأحد أعقد التحديات، نتيجة الاكتظاظ، والفرش العشوائي، والعرض الخارجي للمتاجر، وضيق المساحات. ويطرح حلولاً تشمل تفريغ السوق الكبير في أسواق فرعية، وإنشاء أسواق نموذجية بالتعاون مع البنوك، وتوفير بيئة إنسانية وصحية للباعة المتجولين.

وفي ملف النفايات، يكشف عن خطة لتوفير حاويات وتكاتك صغيرة تسهل الحركة داخل السوق، إلى جانب تعزيز أسطول نقل النفايات بعربات ضاغطة، وتوسعة مكب شرق النيل، مع طموح مستقبلي للوصول إلى تدوير النفايات بصورة حضارية.

المواطن شريك لا متفرج

يختم الخطيب حديثه بالتأكيد على أن المحلية لا تستطيع وحدها تغيير وجه المدينة، مشيداً بدور المواطن ولجان الأحياء ومنظمات المجتمع المدني في الفترات الصعبة، لكنه في الوقت نفسه يطالب بمزيد من الوعي والمسؤولية، خاصة في قضايا النظافة، الإنارة، وتنظيم الأسواق، باعتبار أن المدينة لا تُبنى بالقرارات فقط، بل بالسلوك اليومي أيضاً.

أخيراً:

يعكس حديث المدير التنفيذي لمحلية مدني الكبرى رؤية واقعية لا تدّعي الكمال، لكنها تراهن على الممكن وتبني عليه. خطة 2026 – كما قدمها – ليست مجرد أرقام على الورق، بل محاولة جادة لترميم ما دمرته الحرب، وإعادة تعريف دور المحلية كحكومة قريبة من المواطن، وقادرة على إدارة التعافي بخطى ثابتة. وبين طموح الإنجاز وضيق الموارد، تظل مدني أمام فرصة تاريخية: إما أن تتحول تجربة ما بعد الحرب إلى نموذج للنهضة المحلية، أو تضيع في دوامة التحديات إن غاب التكاتف بين الدولة والمجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى