
في لحظة كانت فيها مدينة ود مدني خارجة لتوّها من واحدة من أقسى مراحل الاستهداف والتدمير الممنهج، عاد جهاز رقابة العربات الحكومية بولاية الجزيرة ليشكّل إحدى أولى نوى استعادة الدولة لوظيفتها، ليس فقط كجهاز رقابي، بل كرافعة تنظيمية أسهمت في إعادة الحياة إلى شرايين العمل الحكومي.
بهذا المعنى، يتحدّث أوسم عثمان محمد مالك، مدير جهاز رقابة العربات الحكومية، عن تجربة تتجاوز السيرة الوظيفية إلى شهادة مرحلة، وعن جهاز وُلد من تحت الركام ليعود أكثر صلابة وانضباطاً.
يستهل أوسم حديثه من الجذور؛ من ود مدني التي وُلد وترعرع فيها، ودرس حتى المرحلة الثانوية، قبل أن يشق طريقه في الخدمة العامة منذ العام 2005، متنقلاً بين ولايات ومؤسسات، ومكتسباً خبرات مالية وإدارية في إدارة الميزانيات والتنمية المحلية، إلى أن تم تكليفه في منتصف العام 2022 مديراً لجهاز رقابة العربات الحكومية، وهو الجهاز الذي أُنشئ منذ العام 1989 وتناوب على قيادته خبرات وطنية كبيرة.
ويشير إلى أن تبعية الجهاز الإدارية شهدت تحولات، من وزارة المالية إلى أمانة الحكومة ثم العودة مجدداً للمالية، غير أن التحول الأكبر جاء مع اندلاع الحرب واستهداف ولاية الجزيرة بصورة ممنهجة، حيث لم تُترك عربة حكومية إلا وتحولت إلى خردة، في محاولة واضحة لتعطيل قدرة الولاية على النهوض من جديد.
مع دخول القوات المسلحة وتحرير ود مدني في العام 2025، كان أفراد جهاز رقابة العربات الحكومية من أوائل من عادوا إلى المدينة، في اليوم الثاني مباشرة، قادمين بأربع عربات من ولايات مختلفة، لتكون تلك الخطوة، بحسب أوسم، «بداية النواة الحقيقية لاستعادة العمل الحكومي»، في وقت لم تكن فيه أي مظاهر للحياة أو وسائل حركة.
لم يقتصر دور الجهاز على اختصاصه الفني، بل انخرط أفراده في مهام إنسانية وأمنية واسعة، بالتعاون مع مفوضية العون الإنساني، شملت توزيع الإغاثات، تأمين وحراسة المباني الحكومية، حصر الأحياء والسكان، والمشاركة في العمل الطوعي، في إطار عمل لا مركزي قاده والي الولاية وأمين عام الحكومة، حيث كان الشعار: العمل حيثما وُجِد الواجب.
مع بداية العام، عاد الجهاز تدريجياً إلى مقره، وسط أوضاع صعبة، تطلّبت تنظيف المكاتب من آثار التخريب، وحصر الملفات والدفاتر، وإزالة مخلفات الأوباش، بل وانتشال جثامين من داخل المقر بالتنسيق مع الهلال الأحمر والنيابة والأجهزة الأمنية. بعدها بدأت مرحلة إعادة البناء المؤسسي، بتجميع وحصر العربات الحكومية المنهوبة داخل المدينة، بالتعاون الوثيق مع إدارة المرور، في تنسيق وصفه أوسم بـ«العالي والمثمر».
امتد العمل ليشمل تنظيف الشوارع ومداخل المدينة من العربات المحترقة، وفتح الطرق بالتعاون مع وزارة الري، في مشهد أعاد شيئاً من النظام إلى الفضاء العام. وبعدد لا يتجاوز خمسة أفراد في البداية، تحمّل الجهاز عبئاً كبيراً، قبل أن تتم الاستجابة لطلب زيادة الكادر، ما أسهم في رفع معدلات الضبط.
ويؤكد مدير الجهاز أن الحملات المشتركة مع الشرطة والقوات النظامية شكّلت نقطة تحول، حيث جرى ضبط عربات حكومية منهوبة ومواتر بلا لوحات، في عمليات اتسمت بتنسيق غير مسبوق بين الجهاز والشرطة والاستخبارات والفرقة الأولى مشاه. ورغم التحديات، تمكن الجهاز من تحقيق نحو 80% من الميزانية المربوطة له، عبر زيادة الإيرادات، في ظل شح الإمكانيات.
لم تتوقف الجهود عند حد الضبط، بل شملت إدخال الطاقة الشمسية، وتركيب كاميرات مراقبة، وتوحيد الزي الرسمي، والعمل على استعادة نظام الترخيص بالبطاقات الممغنطة، وهو نظام كانت الجزيرة سبّاقة في تطبيقه على المستوى القومي. ويكشف أوسم عن مشروعات مرتقبة في 2026، من بينها حصر شامل للعربات الولائية، وإدخال «استيكر» موحد، والعودة للترخيص السنوي دون استثناء لأي جهة، إلى جانب تعزيز الربط الإلكتروني وحوسبة بيانات ممتلكات الدولة.
وفي قراءته للمشهد العام، يرى أوسم أن ما تعرّضت له ولاية الجزيرة لم يكن عرضياً، بل استهدافاً مقصوداً لإفقادها أدوات النهوض، غير أن إرادة العاملين في الخدمة المدنية، ودعم قيادة الولاية، أسهما في كسر هذه الحلقة. ويثمّن دور وزير المالية وأمين عام الحكومة والوالي في دعم الجهاز، موجهاً تحية خاصة لأفراد الجهاز الذين واجهوا المخاطر، وصبروا على انعدام الخدمات، وقدموا نموذجاً في الالتزام الوطني.
ويختم أوسم حديثه بنبرة تفاؤل حذر، قائلاً إن الولاية، رغم الجراح، في طريقها للتعافي، وإن تكامل أدوار المؤسسات هو السبيل لتحقيق الأمن والخدمات والعيش الكريم لمواطن الجزيرة، معرباً عن أمله أن يكون عام 2026 عاماً بلا مخالفات… وعاماً للسلام، تُستعاد فيه الدولة بعزيمة أبنائها في ظل وجود واليها البار الطاهر إبراهيم الخير ووزير ماليته الأستاذ / عاطف أبوشوك الذان كان لهما القدح المعلا في إدارة دفة الولاية في ظل ظروف حرجة وقد كان لمدير عام وزارة المالية أيضا الفضل في أن تقف ادارتنا وتبدأ في استعادة عافيتها ولن ننسى الزملاء في إدارتنا فلولاهم م وصلنا هذا النجاح الذي نفتخر به




