
لماذا يأتي الوجع دائمًا من حيث لا نتوقع؟
لماذا يكون الطعن في الظهر من أبناءنا، من فلذات أكبادنا، من الذين رضعوا من ذات الأرض، وتنفسوا هواء الوطن، وعاشوا في كنفه آمنين؟
أي قسوةٍ هذه التي تجعل الإنسان يبيع نفسه، ويبيع الأرض والعِرض، مقابل ثمنٍ بخس لا يساوي ذرة كرامة ولا قطرة دم سالت دفاعًا عن هذا الوطن؟
الخيانة ليست مجرد خطأ، وليست خيارًا اضطراريًا كما يحاول البعض تبريرها، بل هي انكسار داخلي، وسقوط أخلاقي مدوٍ.
هي أن تختار أن تكون لقمةً طرية في فم العدو الأجنبي، وأن تتحول من ابنٍ للوطن إلى أداةٍ رخيصة تُستخدم لتدميره من الداخل، حين عجز الأعداء عن كسره من الخارج.
ما أقسى أن يتحول الابن إلى سلاحٍ موجَّه نحو أهله،
وما أفظع أن يُرفع السلاح في وجه الأم، والأخ، والجار، والطفل الذي كان بالأمس يلعب في ذات الحي.
كيف ينام الخائن وبيوت الناس تُحرق، وكيف يهدأ ضميره وهو يرى وطنه يُنهش قطعةً قطعة وهو شريك في الجريمة؟
إن من يبيع وطنه لا يفعل ذلك فقرًا فقط، بل خواءً في القيم، وفراغًا في الضمير.
فالكرامة لا تُقايَض، والوطن لا يُؤجَّر، والأرض التي تُباع مرة، تُستباح ألف مرة.
والعدو الذي يستخدم الخائن اليوم، لن يحترمه غدًا، بل سيلفظه حين تنتهي مهمته، فالتاريخ علمنا أن الخائن دائمًا آخر من يُوثق به.
التاريخ لا ينسى، ولا يغفر، ولا يُجمّل الوجوه القبيحة.
يسجل الأسماء بمدادٍ من عار، ويضعها في الصفحات السوداء، حيث لا بطولة، ولا مجد، ولا أعذار.
ومن يظن أن المال، أو النفوذ، أو الوعود الزائفة ستمنحه الأمان، فهو واهم؛ لأن من خان مرة، سيُخان ألف مرة.
الوطن ليس مشروعًا شخصيًا،
ولا صفقة مؤقتة،
ولا باب رزقٍ ملوث بالخزي.
الوطن شرف، ومن لا شرف له، لا وطن له.
ستبقى الخيانة جرحًا مفتوحًا في جسد الأمة،
لكن الوطن سيبقى، أقوى من كل الخائنين،
وأكبر من كل من ظنّ أن الثمن البخس يمكن أن يشتري الأرض والتاريخ والكرامة


