
اعتدنا في السودان، وبصورة مزمنة، على تفويت فرص التوافق والمصالحة والاتفاق، لا في السياسة وحدها، بل حتى في الرياضة التي يُفترض أن تكون المساحة الأصفى والأبعد عن الاستقطاب. نختلف، نُصعّد، نُعقّد، ثم حين نصل إلى الحائط المسدود، نلتفت إلى الغرباء نطلب وساطتهم، لكن بشروطنا التعجيزية، وبلغة الابتزاز، فنصل دائماً إلى النتيجة ذاتها فشل مع سبق الإصرار.
في هذا السياق المأزوم جاء الإتفاق المشترك الذي أصدره الدكتور معتصم جعفر، رئيس الاتحاد السوداني لكرة القدم، والدكتور حسن برقو، رئيس الاتحاد المحلي لكرة القدم بالجنينة، ليعلن التوافق وإنهاء الخلافات والعمل يداً واحدة من أجل مصلحة الكرة السودانية. بيان بسيط في صياغته، عميق في دلالاته، لأنه كسر نمطاً طويلاً من الشك والقطيعة.
انقسم الناس حول الاتفاق. فريق رأى أن مراكز القرار داخل الاتحاد متعددة، وأن أي خطوة لا تمر عبر نائب الرئيس أسامة عطا المنان لا قيمة لها، مستندين إلى تجربة سابقة جرى فيها اتفاق بالقاهرة ثم نُقض لاحقاً. هذا التخوف مفهوم في سياق ذاكرة مثقلة بالإخفاقات، لكنه هذه المرة لا يصمد أمام الوقائع.
حسب المعلومات المتوفرة، هذا اتفاق حقيقي، ملزم، تم بموافقة كل الأطراف المؤثرة، بما في ذلك أسامة عطا المنان نفسه. والدليل الأوضح أن مجلس إدارة الاتحاد، في اجتماعه الأخير، بارك الاتفاق وكلف الدكتور معتصم جعفر بإنزاله إلى أرض الواقع. هنا تنتقل المسألة من نوايا إلى مؤسسات، ومن مجاملات إلى التزامات.
يستحق الدكتور حسن برقو أن تُرفع له القبعات. الرجل أكد بالفعل قبل القول أنه صاحب خلق وشرف. ظل مبادراً، حريصاً على لمّ الشمل، ومدّ يديه لكل من سعى إلى إنهاء الخلافات واستقرار الوسط الرياضي، مقدماً المصلحة العامة على أي اعتبارات شخصية، رغم أن موقفه القانوني في محكمة كاس كان قوياً ومتيناً.
ويُحسب للدكتور معتصم جعفر، هذه المرة، أنه بادر بالاتصال، وذهب نحو اتفاق حقيقي، ولم يتراجع عن كلمة الشرف التي منحها. هكذا يجب أن يكون رئيس الاتحاد: مسؤولاً عن جمع الصف لا تعميق الشقاق.
صحيح أن هناك من لم يرق له هذا الاتفاق خوفاً على مصالحه، لكن الغالبية داخل الاتحاد معه قلباً وقالباً، لأن الكرة السودانية لم تعد تحتمل مزيداً من الصراعات. هي في حاجة إلى استقرار، وتكاتف، وعمل جاد لتجاوز آثار الحرب.
تأهيل الملاعب القومية والمدينة الرياضية يجب أن يكون في صدارة الأولويات، ومع مشروع الدكتور حسن برقو القومي، يصبح المستحيل ممكناً، فقط بقليل من الصبر وكثير من العمل. هذا الاتفاق نزع آخر الذرائع، وجرد الجميع من حجج التعطيل، ولم يعد هناك ما يبرر التأخير.
أخيراً، ولطمأنة من يتوجسون على مواقعهم، نقول بوضوح السلطان برقو لا يرغب في منصب، ولا يسعى إلى كرسي، بل إلى مشروع وطني للكرة السودانية، سيبذل من أجله المال والجهد والعلاقات. فدعوا الرجل يعمل، وارفعوا أيديكم عن الشك، فالوطن، حتى في كرة القدم، يستحق فرصة أخيرة للاتفاق.

