
وسط دوي الانفجارات وانتشار الجثث وانقطاع كافة أشكال الحياة، كانت هناك معركة أخرى تُخاض بصمت. لم تكن على الجبهات، بل خلف الجدران المحطمة للمؤسسات الحكومية وتحت الأشجار في ولاية كسلا. كانت معركة إيصال الراتب في موعده. هذه هي رواية جنود الاقتصاد الخفيين، الصرافين الذين تحولت هواتفهم الذكية وكتبهم المحاسبية إلى أدوات للمقاومة والحفاظ على شريان حياة ملايين الموظفين والعائلات خلال حرب 2023. بينما تناقش الأوساط الأكاديمية والوزارية مستقبل الاقتصاد في منتديات مشتركة اليوم، تروي هذه الشهادات الفصل المنسي من تلك الحرب: فصل البطولة المكتبية.
من “كارو الحمار” إلى وزارة المالية: رحلة الاستعادة الأولى
مع دخول الجيش إلى مدني، جاء التكليف: “نحن أول ناس دخلنا بعد الجيش”. رواية تحكيها (حليمة) كانت الرحلة إلى مقر وزارة المالية والاقتصاد والقوى العاملة بولاية الجزيرة رحلة في أرض محايدة. “ما في مواصلات كنا بنقطع مسافات طويلة بي رجولنا”. كانت الولاية مدينة أشباح: “الأسواق لسة ما شغالة، كان ما في أكل ناكل من التكية”. الرفاق القلائل، نحو عشرة أشخاص، كانوا طليعة إعادة الحياة. “كنا بنتأخر يوم من الأيام… فطرنا هنا في الوزارة بي موية مافي أكل اصلاً”. لكن الإرادة كانت أكبر. حتى داخل ديوان الحسابات، واجهوا بصمت رهيباً للحرب: “وجدنا راس جثة وكان في مستندات عشان نطلعها رغم أنو في وسخ وجثث”. لقد كانوا أكثر من موظفين؛ كانوا فريق إنقاذ للمؤسسة نفسها.
أجهزة “الاستارلينغ” والشتاء تحت الشجرة: هندسة النظام المالي البديل
كان التحدي الأكبر هندسة نظام دفع يعمل حيث انهارت كل الأنظمة. في المناقل، “كان الشغل بتطبيق بنكك” على الهواتف، بينما كانت الشبكة تنقطع باستمرار. تحولت الحياة إلى سباق ضد الزمن والظروف: “أنا كنت اسكن في قرية جنوب المناقل تقول: (حليمة) ومرة لاقتنا مطرة في الشارع ونحن ماشين مسافة 4 ساعات”. لم يكن الصرافون مجرد موظفين، بل تحولوا إلى شبكة أمان لزملائهم في المناطق الساخنة: وتحدث مؤمن عن الزملاء الصرافيين حين بلغ التحدي ذروته في ولاية كسلا، تحول العمل تحت شجرة مجاورة لبنك السودان إلى مقر عمليات مؤقت. “اشترينا فرشة ونقعد نشتغل تحت الشجرة ومع ستات الشاي”. من هناك، كانوا يديرون عمليات صرف معقدة: “بقيت أشتغل مستشفى العظام والنساء والتوليد وود مدني” بالإضافة إلى رواتب أراضي الولاية كلها بمحلياتها المختلفة، كل هذا عبر هاتف محمول.
الرقابة على مليارات الجنيهات عبر هاتف ذكي: تحديات الأمان والضغط النفسي
كان حجم المسؤولية هائلاً. “سقف المرتبات ما بكفي 15 مليار فقط في اليوم بننتظر الساعة 12 تجي عشان نخش في اليوم الثاني ونقفل السقف 30 مليار”. كانت الثغرة بين المعلومة الورقية والتحويل الرقمي مصدراً للتأخير: “كنا بنتتظر الناس الكانوا في مناطق العمليات لم تجي المعلومة ورقم الحساب”. في هذا الفضاء الرقمي الهش، ظهرت تهديدات جديدة: “واجهتنا صعوبات انو الناس حاولوا يحتالونا بي أرقام بتاعة ناس تانين”. كان الخطأ البشري محتملاً وسط هذه الفوضى، لكن فريق العمل التزم بأخلاقيات مهنية صارمة: “الأخطاء البسيطة عالجناها من حساباتنا… مؤمن يقول حولت لي غلط 25 ألف بترجعها ليه تاني”. كان الإرهاق شعار تلك الأيام: “كنا في حالة سهر وتواصل بالليل والنهار”.
من ظروف الحرب إلى قاعات المؤتمرات: تضحية مُسكَت عنها
يقول مؤمن إبراهيم بابكر واصفاً تلك اللحظة: “وطيلة ما الناس كانت قابضة على الزناد، نحن كنا قابضين على التلفونات”. هذه العبارة تختصر فلسفة العمل بأكملها. لقد رأوا أنفسهم في خط المواجهة نفسه، لكن سلاحهم كان دفتر الشيكات الإلكتروني. ويضيف: “ورضينا كل الناس الكانوا محتاجين لي مرتباتهم في ظروف بتاعة حرب، ودي كانت أكثر فترة استمتعنا فيها بخدمة الناس”. هذا الشعور العميق بالرسالة هو ما دفعهم لتخطي رائحة الجثث وقطوعات الكهرباء وغياب وسائل النقل كان خالد مدير الحسابات ونائبه الواثق هم من يدعموننا معنويا حتى نستمر
اليوم، بينما تجيز حكومة الولاية موازنة بقيمة 670.6 مليار جنيه، وتتحدث الأرقام عن زيادة بنسبة 97% عن العام السابق، وتبحث الوزارة مع جامعة الجزيرة في “التحديات الاقتصادية الراهنة ومبادرات الإصلاح”، تبقى قصة أولئك الذين حافظوا على استمرارية الخدمة المالية عندما كانت الدولة على حافة الهاوية، جزءاً أساسياً من ذاكرة الصمود التي لا يجب أن تُنسى. لقد كانوا، في ذلك الوقت، النظام المالي البديل، وشبكة الأمان الاجتماعي، والوجه الإنساني لدولة كانت تقاتل من أجل البقاء.



