
تمرّ هذه الأيام ذكرى تحرير مدينة ود مدني، لا بوصفها حدثاً عابراً، بل باعتبارها علامة فارقة في الوجدان السوداني، تجسّد معنى الصمود وتؤكد أن هذا الوطن، مهما اشتدت عليه المحن، عصيٌّ على الانكسار. لقد دفعت الجزيرة ثمناً باهظاً خلال مرحلة قاسية استهدفت الإنسان والأرض ومقدرات الدولة، فتوقفت الحياة، وتعطلت المشاريع، ونزح الآلاف من ديارهم، في محاولة يائسة لكسر إرادة شعبٍ عُرف بالتجذر في أرضه والتمسك بوحدته.
لم تكن ود مدني هدفاً عبثياً؛ فهي قلب اقتصادي وزراعي واجتماعي نابض، ورمز للاستقرار والعطاء. ومع ذلك، أثبتت التجربة أن ما ظنه البعض نقطة ضعف كان في الحقيقة مصدر قوة. فبصمود المواطنين، وبسالة القوات المسلحة، ومساندة القوى الوطنية، انقشع الظلام وعاد النور إلى المدينة، ليُكتب فصل جديد من فصول البطولة الوطنية.
جاء التحرير رسالة واضحة بأن وحدة الصف الوطني أقوى من كل محاولات التخريب، وأن إرادة الشعب حين تتجسد في الميدان تصنع المستحيل. استعادت المدينة أمنها، وعادت مؤسسات الدولة إلى أداء دورها، وفتحت المدارس والمستشفيات أبوابها، وعاد المزارعون إلى حقولهم في مشهد يلخص العلاقة الأزلية بين إنسان الجزيرة وأرضه.
واليوم، تقف ولاية الجزيرة أمام مسؤولية تاريخية لا تقل أهمية عن معركة التحرير، تتمثل في إعادة الإعمار، وترتيب أولويات الخدمات، وإنعاش الإنتاج الزراعي، وعلى رأسه مشروع الجزيرة، باعتباره ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني. كما تبرز الحاجة إلى تكاتف الجهود الرسمية والشعبية لضمان استدامة الأمن وتحقيق تنمية حقيقية.
إن ذكرى تحرير ود مدني ليست مناسبة للاحتفال فحسب، بل وقفة وفاء للشهداء، وتجديد للعهد بأن السودان يُبنى بالتضحيات، ويحيا بالعمل، ويقوى بوحدة أبنائه. وهي دعوة مفتوحة لكل أبناء الجزيرة للمشاركة الفاعلة في مرحلة ما بعد الحرب، من أجل ولاية متعافية، وسودان آمن، ومستقبل يستحقه الجميع.



