
وعلى حد قولي:
الوطنُ لا يُروى بالحبرِ وحده
بل بدمِ الرجالِ إذا اشتدَّ الخطبُ
ومن مضى شهيداً لم يمت
ومن بقي رابط الجأشِ ما خان العهدَ ولا بدلَ الدربَ
سبعون عاماً مرّت منذ أن أعلن السودان استقلاله في الأول من يناير 1956م، ذلك اليوم الذي خرج فيه السودانيون من عباءة الوصاية إلى فضاء السيادة، حاملين حلم الدولة الوطنية الجامعة، دولة 56 التي قامت على قيم الاستقلال والحرية والكرامة. لم يكن الاستقلال لحظة احتفال عابرة، بل كان ثمرة نضال طويل، وعرقٍ سال، ودمٍ أريق، وإرادة شعبٍ قرر أن يكون سيد نفسه، مهما تعاظمت التضحيات.
ومنذ فجر الاستقلال، لم تكن مسيرة السودان مفروشة بالورود. تعاقبت الأنظمة، وتعددت الأزمات، وتكاثرت المؤامرات الداخلية والخارجية، لكن الثابت الوحيد ظل هو هذا الشعب، وجيشه جيشاً واحد شعباً واحد ، وأبناؤه الذين لم يساوموا على الوطن، ولم يقبلوا أن يُنتقص من سيادته أو يُمزق نسيجه الاجتماعي.
جاءت حرب الكرامة لتكون محطة فاصلة في تاريخ السودان الحديث، لا بوصفها مجرد مواجهة عسكرية، بل باعتبارها معركة وجود، وصراع إرادة، واختباراً حقيقياً لمعنى الوطنية. في هذه الحرب، تمايزت الصفوف، وسقطت الأقنعة، وظهر المعدن الحقيقي للرجال. نفر السودانيون خفافاً وثقالاً، لا طمعاً في جاه ولا مغنماً، بل استجابة لنداء الواجب، ووفاء لعهد الوطن.
في ميادين القتال، كتب الجنود والضباط وأبناء الشعب ملحمة جديدة، امتدت من المدن إلى القرى، ومن الصحارى إلى الجبال. ارتقى شهداء إلى جنات الخلد، صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا. هؤلاء لم يكونوا أرقاماً في سجلات الحرب، بل كانوا أبناء أسر، وحملة أحلام، تركوا خلفهم حياة كاملة، واختاروا أن يكون الوطن أولاً.
وفي قلب هذه الملحمة، برز البلابسة الذين آمنوا بالبل بس، لا كشعار أجوف، بل كمنهج حياة. وسّعوا بلهم الجميع، احتضنوا الوطن بكل تنوعه، وأثبتوا أن الوطنية لا تُقاس بالجهة أو القبيلة، بل بالفعل والتضحية. ضربوا أروع الأمثال في الصبر والثبات، وكتبوا أسماءهم في سجل المجد وهم يفكون حصار كادوقلي، في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً وخطورة في مسار الحرب.
لم يكن فك حصار كادوقلي مجرد إنجاز عسكري، بل كان رسالة سياسية ومعنوية عميقة، مفادها أن السودان لا يُكسر، وأن إرادة أبنائه أقوى من كل أدوات الحصار والتجويع. كانت تلك المعركة مواجهة غير متكافئة، إذ لم يكن الخصم مجرد مليشيا متمردة، بل شبكة مصالح إقليمية ودولية، وأذرع تمتد إلى دولة 56، الدولة التي حاول البعض اختطاف معناها وتشويه رمزيتها.
اتباع دولة 56 الحقيقيون هم أولئك الذين ارتادوا المنون من أجلها، والذين ظلوا يعملون في صمت، يحملون الوطن في قلوبهم، لا في شعاراتهم فقط. هم الذين فهموا أن الاستقلال ليس ذكرى تُحتفل بها، بل مسؤولية تُصان كل يوم. وأن السيادة لا تُستجدى، بل تُنتزع وتحرس بالوعي والسلاح والعمل الدؤوب.
في حرب الكرامة، أعاد السودان تعريف نفسه، وأعاد ترتيب أولوياته، واكتشف أن معركته لم تكن فقط ضد السلاح، بل ضد مشروع كامل يسعى لتمزيق الدولة، وتحويلها إلى ساحة نفوذ، وذاكرة بلا سيادة. وهنا، كان الدور المحوري للقوات المسلحة السودانية، التي وقفت كالسد المنيع، تحمي الدولة، وتدافع عن الأرض والعِرض، وتعيد الثقة لشعب أنهكته سنوات الفوضى.
التحية والتقدير والاحترام لقائد الجيش، الذي قاد هذه المرحلة الحرجة بثبات ومسؤولية، ولكل أفراد القوات المسلحة السودانية، من القيادة إلى أصغر جندي في الميدان، ولكل القوات المساندة، ولكل من حمل السلاح دفاعاً عن الوطن، دون تمييز أو مزايدة. هؤلاء لم يدافعوا عن سلطة، بل عن فكرة الوطن ذاته.
سبعون عاماً من الاستقلال، لم تكن مجرد سنوات تمر في الروزنامة، بل كانت مسيرة دم وعرق وصبر. من جيل الاستقلال إلى جيل حرب الكرامة، ظل الخيط الرابط هو الإيمان بالسودان، والتمسك بوحدته، ورفض كل محاولات الوصاية والتفكيك. واليوم، ونحن نستحضر هذه الذكرى، لا نفعل ذلك للبكاء على الأطلال، بل لتجديد العهد، والتأكيد على أن هذا الوطن يستحق أن نختلف من أجله، لا أن نختلف عليه.
حرب الكرامة لم تنتهِ فقط بانتصارات ميدانية، بل فتحت وعياً جديداً، وأعادت تعريف الوطنية، وفرزت الصفوف، وأثبتت أن السودان، مهما اشتدت عليه الخطوب، قادر على النهوض، طالما أن فيه رجالاً ونساءً يؤمنون به، ويقدمونه على ذواتهم.
وفي ذكرى الاستقلال السبعين، يقف السودان بين ماضٍ مثقل بالتحديات، ومستقبل يحتاج إلى وعي ومسؤولية، لكن ما يبعث على الطمأنينة هو أن هذا الوطن، الذي صمد سبعة عقود، قادر على أن يكتب فصوله القادمة بيد أبنائه، لا بإملاءات الآخرين.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة



