
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وآله وصحبه، وبعد:
ففي هذه الأيام يتكلم بعض الساسة في بلادنا عن مشاورات بصدد تشكيل مجلس تشريعي للبلاد، مع أن الواجب التركيز على العمل العسكري والميداني والدبلوماسي بالمؤسسات القائمة إلى حين تحقق النصر الكامل بإذن الله، وفي نظري أي محاولة لاستغلال مكتسبات (قحت) وسلوكها في الفترة الانتقالية، وما تضمنه من ظلم الأغلبية الصامتة والسعي لتمكين بدل تمكين، هذا العمل ما هو إلا محاولة لاستنساخ (قحت) جديدة، وتكرار تجربة الفترة الانتقالية المريرة التي انتهت بنا إلى حرب لا تبقي ولا تذر، لا زلنا نعيش فصولها القاسية فضلًا عن آثارها المدمرة، ولا أدري هل يعي هؤلاء الساسة ما يقولون؟!!
✍️ أعلق على هذا الموضوع في الوقفات التالية، فأقول وبالله التوفيق:
⬅️ الوقفة الأولى: خطأ الفترة الانتقالية التاريخي:
لقد ارتكب الحكم الانتقالي خطأً تاريخيًا، يتحمله بالكامل المكون المدني الذي كان يحتمي بالتدخل الخارجي، ولم ننس كمية الضغوط التي مورست على القيادة العسكرية وظلت تتعامل معها بقدر من الحكمة والمداراة خشية انفلات الأمور، وقد تمثل ذلك الخطأ في الوثيقة الدستورية لعام 2019م، وكنت قد كتبت مقالًا بتاريخ 13 يوليو 2020م، نقدت فيه الوثيقة الدستورية، وبينت ذلك الخطأ التاريخي الذي يتمثل في حكم البلاد بدستور لا شرعية له، ومما جاء في ذلك المقال: “الوثيقة لم تستند لاستفتاء عام، ولا صدرت عن حكومة منتخبة، ولا إجماع وطني، والسؤال: كيف صارت وثيقة قانونية شرعية تحكم البلاد؟” .
الإصلاحات التي قام بها رئيس مجلس السيادة والقائد العام في أكتوبر 2020م تضمنت تعديل الوثيقة الدستورية (تعديل 2020م)، وتضمن ذلك تجميد المواد التي تتضمن شراكة المكون المدني الثوري (قحت)، ومن ذلك: المادة (24 فقرة 3) التي تنص على نسبة قحت في المجلس التشريعي وأنها 67% تختارهم (قحت)، ثم لها الحق في تسمية بقية الأعضاء بالتشاور مع الأعضاء العسكريين في مجلس السيادة، فهذه الفقرة عُدّلت وذهبت وأصبحت من الماضي، ولا يصح لأحد أن يستند إليها فضلًا عن كونها من أساسها غير صحيحة، وفضلًا أن (قحت) تحولت إلى مسميات شتى كتقدم، وصمود، وتأسيس، وليس لها وريث شرعي يدعي إرث حقوقها المزيفة المغصوبة.
عدلت الوثيقة الدستورية مرة أخرى تعديل 2025م، وتضمنت التعديلات:
👈 البند (17)، ونصه: السلطة التشريعية هي سلطة التشريع والرقابة على أداء الجهاز التنفيذي، وتتكون من مجلسي السيادة والوزراء إلى حين قيام المجلس التشريعي.
👈 المادة (24/1) ليصبح نصها: المجلس التشريعي الانتقالي سلطة تشريعية مستقلة على أن يراعى في تمثيلها أطراف العملية السلمية والقوى الوطنية الأخرى، إلخ.
👈 المادة (24/2)، ليصبح نصها: يمارس كلًا من مجلس السيادة ومجلس الوزراء مهام السلطة التشريعية الانتقالية إلى حين تكوين المجلس التشريعي.
⬅️ الوقفة الرابعة: من له حق تشكيل المجلس التشريعي؟
بينما نصت المادة (24/3) في الوثيقة الدستورية 2019م قبل تعديلاتها على تسمية من يحق له تشكيل المجلس التشريعي ظلمًا وتعسفًا ومصادرة للحقوق، كما سبق ذكره، لم تسم المادة (24) المعدلة تعديل 2025م من يحق له تشكيل المجلس التشريعي، وإنما أشارت فقط إلى تمثيله، وهذا يجعل من البدهي والطبيعي حق تشكيل المجلس التشريعي يرجع فيه إلى العرف الدستوري، وهو أنه يتشكل تلقائيًا من النواب المنتخبين، فحق اختياره عائد إلى الناخبين وحدهم، وقد تتابعت دساتير السودان منذ 1956م إلى 2005م على هذا العرف الدستوري، وهو عرف عالمي، وذلك على النحو التالي:
👈 دستور السودان 1956م المادة (42): تتكون الهيئة التشريعية للسودان من مجلس السيادة، ومجلسي الشيوخ والنواب، ومجلس السيادة ينتخبه البرلمان كما في المادة (10)، ومجلس الشيوخ خمسون عضوا منهم ثلاثون منتخبون كما في المادة (44)، ومجلس النواب كل أعضائه منتخبون كما في المادة (45).
👈 دستور السودان 1964م المادة (42): تتكون الجمعية التأسيسية من مجلس واحد منتخب، وتتكون الهيئة التشريعية للسودان من مجلس السيادة، والجمعية التأسيسية، ومجلس السيادة تنتخبه الجمعية التأسيسية من خمسة أفراد كما في المادة (10).
👈 دستور السودان 1973م المادة (118): يتولى مجلس الشعب مع رئيس الجمهورية السلطة التشريعية، ومجلس الشعب منتخب.
👈 دستور السودان 1998م يتولى سلطة التشريع المجلس الوطني المنتخب وفق المادة (67).
👈 دستور 2005م المادة (83) أن المجلس التشريعي يتشكل من مجلسين هما: المجلس الوطني، ومجلس الولايات، وهؤلاء منتخبون.
⬅️ الوقفة الخامسة: نتيجة:
وبناءً على ما سبق ليس لنسخة قحت (المتبقية الكتلة الديمقراطية)، أو غيرها أي حق دستوري في تشكيل المجلس التشريعي، ولا يوجد دليل شرعي ودستوري يستند إليه مجلس السيادة في نظري في التشاور لإنشاء مجلس تشريعي، ولا حق لمن ورد ذكرهم في كلام (مبارك أردول) في ذلك، وإنما يبقى الأمر على ما ورد في الوثيقة الدستورية تعديل 2025م المادة (24/2) من قيام مجلسي السيادة والوزراء بهذه المهمة إلى حين وجود استقرار سياسي وهيئة تشريعية وفق الدستور والعدل، على أنه يمكنهما أن يعززا ذلك بمستشارين ناصحين أكفاء يعينونهما على أداء الواجب التشريعي.
⬅️ الوقفة السادسة: فلنحذر من تكرار الأخطاء:
أي محاولة لتجاوز الأعراف الدستورية المذكورة ونصوص الوثيقة المشار إليها ستعود بنا إلى عهد (قحت الأولى)، ونكرر أخطاء الماضي ونلدغ من جحر واحد عشرين مرة، ونهدد استقرار بلادنا ومكاسبها التي جعلها الله لها منحًا في طيات محنتها، فحذار أيها العقلاء!! ولتعلموا أنكم ستقعون في خطأ قاتل عندما تتجاوزن الأعراف الدستورية، وتتجاوزون معها نحو ثمانين بالمائة من الشعب، وتنتحلون ما ليس لكم بحق فنظل نحرث في الماء ونسبح في الهواء، ونخرب بلادنا بأيدينا وأيدي الأجانب والعملاء، فهل أنتم منتهون؟
⬅️ الوقفة السابعة: لفتة:
على الرغم من تقرير ما سبق والذي بنيته على الأعراف الدستورية الجارية، إلا أنني لي رأي في تشكيل المجالس التشريعية مبني على قواعد الشريعة ونصوصها، وأزعم أن نظام العمل بالشورى في بلاد المسلمين ممكن، وسلمت تصوري هذا مع نخبة من المشايخ إلى أهل القرار، واحتفظ بتفاصيل ذلك حتى تتاح له فرصة مناسبة، وأكتفي هنا بما تقدم ذكره، والله ولي التوفيق.
_______
نشر بتاريخ: ١ رمضان ١٤٤٧هـ، الموافق 2026/2/18م
═════




