مقالات

وهج الفكرة – أنس الماحي – ( الفساد السيادي ) حين يُعاقَب الالتزام بالقانون ويُكافَأ النفوذ

• يُعدّ الفساد الإداري والوساطة من أخطر الظواهر التي تهدد كيان الدولة وتقوّض ثقة المواطنين في مؤسساتها، لما لهما من أثر مباشر في تعطيل العدالة، وإهدار الموارد العامة، وتشويه مبدأ تكافؤ الفرص فالفساد لا يقتصر على اختلاس المال العام فحسب، بل يمتد ليشمل استغلال النفوذ وتجاوز القوانين وفرض الإرادة الشخصية على حساب المصلحة العامة، وهو ما يجعل الدولة في صدام دائم مع شعاراتها المعلنة حول سيادة القانون ومحاربة الفساد.

• الفساد ليس مجرد خلل إداري، بل خطيئة أخلاقية وعدوان على حقوق المجتمع بأسره، والوساطة واستغلال النفوذ هي الوجه الأخطر للفساد الإداري ؛ لأنها من أخطر مظاهر الفساد الإداري، ولأنها تُمارَس غالبًا تحت غطاء السلطة وتُفرض على الموظف العام بوصفها “أمرًا واقعًا”، لا يملك حياله إلا الانصياع أو التعرض للعقاب وفي هذا السياق، تُفرغ القوانين من مضمونها، وتتحول المؤسسات العامة إلى أدوات لخدمة المصالح الخاصة لا لخدمة الصالح العام.

• وقد نهى القرآن الكريم صراحة عن أكل أموال الناس بالباطل واستغلال السلطة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: 188]، وهي آية تُجسّد بدقة جوهر الفساد القائم على توظيف النفوذ للوصول إلى منافع غير مشروعة.

• تُجسّد الواقعة التي شهدتها إحدى مؤسسات الحكم المحلي بولاية الخرطوم صورة صادمة لانهيار المعايير الأخلاقية والإدارية داخل بعض أجهزة الدولة ففي الوقت الذي تُرفع فيه شعارات محاربة الفساد، يُعاقَب موظف عام لا لشيء إلا لأنه تمسك بالقانون ورفض تجاوزه.

• فبحسب إفادات شهود عيان، رفض مدير أراضي محلية الخرطوم الأستاذ آيات الله محمد أحمد المأذون، تمرير معاملة بيع قطعة أرض استثمارية، استنادًا إلى قرار مكتوب وصريح صادر عن والي الخرطوم بوقف جميع إجراءات بيع الأراضي الاستثمارية. لم يرتكب الرجل مخالفة، ولم يتجاوز اختصاصه، بل التزم بالتسلسل الإداري وبنص القرار الحاكم.

• غير أن المفارقة المؤلمة أن هذا الالتزام بالقانون تحوّل إلى سبب مباشر لمعاقبته إذ تعرض لضغوط مباشرة، ثم لإهانة علنية داخل مكتبه وانتهى الأمر بطرده من موقعه وإيقافه عن العمل رغم أنه قضى أربعين عامًا في الخدمة العامة، ولم يتبق له سوى ستة أشهر على التقاعد.

• هذه الواقعة لا تمثل اعتداءً على موظف بعينه فحسب، بل تمثل اعتداءً صارخًا على مبدأ سيادة القانون، ورسالة خطيرة لكل موظف شريف مفادها أن النزاهة قد تكون ثمنها الإقصاء، وأن الفساد محمي إذا ما استند إلى النفوذ.

• تزداد خطورة هذه الممارسات حين تقع في ظل ظروف استثنائية تمر بها الدولة السودانية، من حروب وأزمات تهدد وحدة الوطن واستنزاف موارده ففي مثل هذه الأوقات، يُفترض أن تتكاتف الجهود لحماية ما تبقى من مقدرات الدولة لا أن ينشغل البعض بتحقيق مصالح خاصة على حساب وطن ينزف.

• إن من يستغل منصبه في زمن المحن لا يرتكب فسادًا إداريًا فحسب، بل يرتكب خيانة أخلاقية ووطنية، لأن أفعاله تُعمّق معاناة المواطنين وتُضعف قدرة الدولة على الصمود / قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، والسلطة أمانة، والوظيفة العامة أمانة، ومن خان الأمانة أفسد في الأرض /من المسؤول؟ ولماذا يجب أن يكونوا عبرة؟

• السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه الواقعة هو من المسؤول عن حماية الفاسدين ومعاقبة الشرفاء؟ وهل يُعقل أن تُترك مثل هذه الأفعال دون محاسبة علنية وشفافية ؟؟

• إن غياب المحاسبة لا يعني فقط تشجيع الفساد بل يعني تحويله إلى ثقافة مؤسسية، وإرسال رسالة واضحة لكل من يفكر في الالتزام بالقانون بأن مصيره قد يكون كمصير هذا الموظف الذي خرج خروجًا مهينًا لأنه رفض أن يكون شريكًا في تجاوز غير مشروع.

• لقد أكد الإسلام على مبدأ العدالة وعدم المحاباة فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ [النساء 135]. فالعدل لا يستقيم إلا إذا طال الجميع دون استثناء أو حصانة .. إن مكافحة الفساد لا تتحقق بالشعارات ولا بالتصريحات الإعلامية، بل بالمحاسبة الصارمة وحماية الموظفين الشرفاء وتجريم استغلال النفوذ أيًّا كان مصدره.

• وما لم يُقدَّم الفاسدون إلى محاكمات علنية عادلة، ويُعاد الاعتبار لمن التزموا بالقانون فإن الدولة ستظل تدفع ثمن الفساد من أمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها .. أما الموظف الذي عوقب لأنه احترم القانون، فهو شاهد حيّ على أن معركة النزاهة ما زالت طويلة وأن الأوطان لا تُبنى إلا حين يصبح الالتزام بالقانون وسام شرف، لا تهمة تستوجب العقاب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى