التقارير

ولاية الجزيرة.. من دمار التخريب إلى آفاقِ التنمية المستدامة

تقرير:- تاج السر ود الخير

في مواجهة تحدياتٍ استثنائيةً، تقف ولاية الجزيرة شاهداً على قصة صمودٍ وإرادة ترميمٍ. فبعد تعرُّض بنيتها التحتية الحيوية لتخريبٍ ممنهجٍ وشاملٍ، تمكنت أجهزة الدولة، بقرارٍ سياسيٍّ وهمةٍ فنيةٍ، من إدارة معركة إعمارٍ ناجحةٍ حوّلت الأزمة إلى فرصةٍ للتحول نحو نموذجٍ تنمويٍّ أكثر مرونةً واستدامةً. المهندس أبوبكر عبد الله، وزير التخطيط العمراني والمرافق العامة بالولاية، يروي تفاصيل هذه الرحلة من الدمار إلى البناء، ومن الاعتماد التقليدي إلى آفاق الطاقة النظيفة.

يؤكد الوزير أن مليشيا الدعم السريع، خلال فترة وجودها، نفذت عمليات تخريبٍ منهجيٍّ طالت كل القطاعات الاستراتيجية، حيث تم تدمير ٤٥٠٠ مصدر ماءٍ وإخراجها تماماً من الخدمة، بما في ذلك تدمير محطة مياه مدني الرئيسية – التي كانت تُعد من أفضل المحطات على مستوى البلاد – تدميراً كاملاً. كما استهدفت المليشيا قطاع الكهرباء بشكلٍ مباشرٍ، حيث أتلفت المحولات وسرقت الكابلات والمعدات، ما أدى إلى شلّ النظامين الحيويين: الماء والكهرباء، بنسبةٍ وصلت إلى ١٠٠٪، واضطر المواطنون للجوء إلى مصادر ماءٍ غير صحيةٍ، في ظل أوضاعٍ إنسانيةٍ بالغة الصعوبة.

يشير الوزير إلى أن هذه الأوضاع المأساوية شكّلت نقطة انطلاقٍ لعملٍ عاجلٍ ومنظمٍ بدأ منذ اليوم الأول لتحرير المدينة. انطلق الفريق الفني من واقعٍ صعبٍ، حيث لم يكن يعمل سوى ١١ بئراً جوفياً فقط. وبجهودٍ مكثفةٍ، تمكّن الفريق خلال ١٤ يوماً فقط من تشغيل ٦٥ مصدر ماءٍ، وإعادة تشغيل محطة مياه مدني في وقتٍ قياسيٍّ. وتواصلت الجهود حتى تم استعادة وتشغيل ٨٥٪ من مصادر المياه، مع توقعاتٍ بإعادة ٤٢٠ محطة أخرى قريباً. وبموازاة ذلك، بدأ العمل في قطاع الكهرباء بإصلاح محطات الحاج عبد الله ومارنجان والحصاحيصا والجنيد، وتوفير ١١٠٠ برميلٍ من زيوت المحولات، ليتجاوز معدل الإمداد الكهربائي ٦٨٪ ويعود الأمان للمنازل والشوارع.

ويلفت الوزير إلى أن جهود الإعمار لم تكن مجرد استعادةٍ لما كان موجوداً، بل قفزةٌ نوعيةٌ نحو تبني حلولٍ مستدامةٍ. فقد نفذت الوزارة خلال العام المنصرم ٢٠٢٥، رغم التحديات الاقتصادية، ما يقارب ٣٠٠ نظام طاقة شمسيةٍ لمحطات المياه بالمحليات، بتكلفةٍ بلغت ٥٨.٣ مليار جنيهٍ، مما أسهم بشكلٍ مباشرٍ في استقرار الإمداد المائي وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي. وتوسع هذا النهج ليشمل ٧٤ نظاماً لتشغيل المستشفيات، و٤٧ نظاماً للمراكز الصحية، و٨ أنظمةٍ لمراكز غسيل الكلى، لضمان استدامة الخدمات العلاجية المنقذة للحياة.

ويضيف أن إجمالي المشاريع المنفذة بلغ ٦١١٧ مشروعاً، منها ٤٥٠٠ مشروعٍ للطاقة الشمسية في مصادر المياه، وفرت للحكومة ٢٥ ميجاواطٍ من الكهرباء ووفرت ٣ آلاف طنٍ وقودٍ، مما جعل ولاية الجزيرة الولاية الأولى في استخدام الطاقة الشمسية. كما تم تركيب ١٧٥ نظاماً لإنارة الطرق والمعابر والإشارات الضوئية لتحسين السلامة المرورية.

ويكشف الوزير عن خطةٍ للتوسع في الطاقة البديلة تشمل استجلاب ثلاث محطات طاقة شمسيةٍ كبرى في المناقل والشبارقة وشرق الجزيرة. كما أعلن عن تأهيل وتشييد ٣٥ شبكة كهرباء عامةٍ ومولداتٍ بتكلفةٍ ٦.٩ مليار جنيهٍ لتحسين موثوقية الإمداد الكهربائي.

ويؤكد على الاهتمام ببناء قدرات الكوادر البشرية، حيث تم تدريب نحو ١٦٠ مهندساً وفنياً وطالباً عبر برامج متخصصةٍ هدفت إلى تطوير المهارات الفنية وتعزيز القدرات المؤسسية. وفي مجال التخطيط العمراني، يحذر الوزير من التعدي على الأراضي الحكومية، مُعلناً أن عام ٢٠٢٦م سيشهد إزالة كل المخالفات، بعد أن قام جهاز حماية الأراضي الحكومية بالفعل بإزالة أكثر من ٥٠ مخالفةٍ.

إذا؛ تتحول ولاية الجزيرة، بخطى ثابتةٍ، من مرحلة ردّ الاعتبار إلى مرحلة البناء الاستباقي. فالإنجازات التي تحققت في مجال الطاقة الشمسية ليست مجرد مشاريع إنشائيةٍ، بل هي تحوُّلٌ جوهريٌّ في فلسفة تقديم الخدمات، يجعلها أكثر استقراراً ومراعاةً للبيئة وأقل تكلفةً على المدى البعيد. بشر الوزير بمشاريع ضخمةٍ قادمةٍ، مثل محطة مياه ود مدني الجديدة التي ستنتج ٧٥ ألف متر مكعبٍ يومياً، ومحطة أم مغد، والخطوات الجادة لإعادة تأهيل مطار ود مدني.

هذه الرحلة، من تحت أنقاض التخريب إلى آفاق التنمية المستدامة، تثبت أن الإرادة السياسية الواضحة مقترنة بالكفاءة الفنية والمشاركة المجتمعية، قادرة ليس فقط على ردم هوة الأزمة، بل على تأسيس قاعدة تنموية جديدة أكثر إشراقاً وقدرةً على مواجهة التحديات، حيث تتحول الطاقة النظيفة إلى ركيزةٍ عمليةٍ تضيء المرافق، وتُثبِّت الخدمات، وتمضي بالولاية نحو مستقبلٍ أكثر ازدهاراً واستقراراً لمواطنيها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى