مقالات

معاوية السقا يكتب : ود مدني سيرة واتفتحت ..وزير الرعاية الاجتماعية بولاية الجزيرة… كرسي حاضر وغيابٌ يثير القهقهة في زمن الجراح

خرجت ولاية الجزيرة تواً من تحت رماد الحرب، وبدأت تلتقط أنفاسها بعد أن أرهقتها المليشيا خراباً وتدميراً ونزوحاً، يصبح السؤال عن وزارة الرعاية الاجتماعية سؤالاً وجودياً لا إدارياً فقط. فهذه الوزارة، بطبيعتها، هي قلب الدولة النابض وسط الأزمات، وهي التي يفترض أن تقف في الصف الأول لمداواة آثار الحرب الاجتماعية والنفسية والاقتصادية. لكن الواقع الذي يراه المواطن اليوم يفتح باب السخرية قبل باب النقاش:
من هو وزير الرعاية الاجتماعية بولاية الجزيرة؟
سؤال يطرحه الناس ثم ينفجرون ضحكاً، ليس لأن الأمر طريف، بل لأن الغياب صار مادة للدهشة.
المعلومة المتاحة تشير إلى أن إدارة الوزارة أسندت إلى مدير عام مكلف بصلاحيات الوزير منذ قرارات الوالي في مارس 2025، في إطار إعادة التشكيل الإداري. لكن ما بين النصوص الإدارية وواقع الشارع مسافة شاسعة، فالمواطن لا يرى أثراً، ولا يسمع صوتاً، ولا يلمس برنامجاً اجتماعياً يوازي حجم المأساة التي مرت بها الولاية.
الراي السوداني
الجزيرة ليست ولاية عادية خرجت من أزمة عابرة. هي منطقة شهدت نزوحاً جماعياً، فقداناً لمصادر الرزق، انهياراً لعدد من الخدمات الأساسية، وتمزقاً في النسيج المجتمعي. في مثل هذا السياق، كان ينتظر الناس وزارة تنزل إلى الميدان، تحصي الأضرار الاجتماعية، تدعم الأسر المتضررة، ترعى الأطفال والنساء وكبار السن، وتبني جسور الثقة بين المجتمع والدولة. لكن الصورة التي تتكرر في الأحاديث العامة هي صورة مكتب صامت، بلا مبادرات، بلا حضور إعلامي، بلا خطوات واضحة.
السخرية هنا ليست هدفاً بحد ذاتها، لكنها انعكاس للإحباط. حين يسأل المواطن:
أين الوزير؟
فهو لا يبحث عن شخص بقدر ما يبحث عن معنى للمسؤولية. كيف يمكن لوزارة تحمل اسم الرعاية الاجتماعية أن تغيب في أكثر لحظة تحتاج فيها الولاية للرعاية
كيف يصبح المنصب مجرد عنوان في كشف حكومي بينما الأرض مليئة بقصص الفقر والتشرد والاحتياج؟
الناس لا يريدون خطابات طويلة ولا بيانات مصقولة. يريدون رؤية فرق ميدانية، مراكز دعم نفسي، برامج حماية اجتماعية، وخططاً معلنة تعيد ترميم ما كسرته الحرب. لكن ما يحدث أن الوزارة تبدو وكأنها خارج المشهد، حتى صار اسم الوزير أو المسؤول محل تساؤل يومي يتداوله الناس بنبرة ساخرة، وكأنهم يتحدثون عن شخصية خيالية لا وجود حقيقياً لها.
المفارقة أن الولاية تتحرك في ملفات أخرى رغم صعوباتها، بينما ملف الرعاية الاجتماعية يراوح مكانه. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة
إذا غابت الوزارة التي يفترض أن تمثل الضمير الاجتماعي للحكومة، فمن يداوي جراح الناس؟
ومن يسمع أنين الأسر التي فقدت كل شيء؟
ومن يخطط لعودة الحياة الطبيعية اجتماعياً بعد أن استعادت الأرض أمنياً؟
إن النقد هنا ليس شخصياً، بل هو محاولة لقرع جرس إنذار. المنصب العام ليس زينة ولا مكافأة، بل تكليف ثقيل في زمن استثنائي. والوزير، أيّاً كان اسمه، مطالب بأن يكون حاضراً في الذاكرة اليومية للمواطن عبر العمل الملموس، لا عبر الغياب الذي يصنع القهقهة.
ولاية الجزيرة اليوم تحتاج إلى إدارة اجتماعية شجاعة، تعترف بحجم الكارثة وتتحرك بجرأة، لا أن تكتفي بالوجود الورقي. الصمت لم يعد خياراً، والناس فقدوا صبرهم على الكراسي التي لا تتحرك. فالمرحلة تحتاج إلى من يحمل هم المجتمع بجدية، لا من يترك الشارع يملأ الفراغ بالنكات المرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى