
حين نتحدث عن وزارة الصحة بولاية الجزيرة فإننا لا نمارس ترف النقد، بل نضع الإصبع على جرحٍ مفتوح ينزف بصمت داخل المستشفيات والمراكز الصحية. الصورة المنشورة في إعلام الولاية ملساء، براقة، مليئة بالزيارات والبروتوكولات والتدشينات، لكن الواقع داخل العنابر يحكي رواية أخرى: نقص في الكوادر، شح في الإمداد الدوائي، أعطال مزمنة في الأجهزة، وبيئة علاجية لا تليق بإنسانٍ أنهكه المرض قبل أن ينهكه الانتظار.
أضف إلى ذلك حقيقة لا يجوز القفز فوقها: كما أعلنت الوزارة انتشار الإيدز والدرن وأرجعت ذلك إلى تداعيات الحرب، فعليها بالشجاعة ذاتها أن تعترف بانتشار القصور الإداري داخل مؤسساتها. فالأزمات الصحية لا تتولد فقط من النزاعات المسلحة، بل تتفاقم كذلك بضعف التخطيط، وغياب الرقابة، وترهل الهياكل التنفيذية. إن الاعتراف بانتشار الأمراض خطوة مطلوبة، لكن الأجدر أن يُقرن ذلك باعتراف مماثل بأوجه الخلل المؤسسي التي سمحت بتدهور البيئة الصحية وبتراجع الاستجابة الوقائية والعلاجية.
أما ربط بعض الأزمات بمحاولات التطبيل وتلميع ما هو باهت عبر حملات إعلامية محسوبة، فلن يغير من الواقع شيئاً. تجميل الصورة لا يعالج عدوى، ولا يخفض معدلات انتشار، ولا يرمم ثقة مفقودة. الصحة العامة تُدار بالأرقام الدقيقة، والخطط العلمية، والشفافية الكاملة، لا بالشعارات ولا بإعادة تدوير الخطاب. إن معالجة آثار الحرب مسؤولية، لكن معالجة آثار سوء الإدارة واجب لا يقل إلحاحاً، بل هو المدخل الحقيقي لأي تعافٍ صحي مستدام في ولاية الجزيرة.
نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً. بيانات متلاحقة تتحدث عن تطوير وتحسين، بينما المواطن يتنقل بين المرافق بحثاً عن خدمة أولية لا تتطلب أكثر من التزام إداري وانضباط مهني. الإعلام الرسمي يطبل لإنجازات على الورق، لكن مؤشرات الأداء الخدمي لا تعكس ما يُنشر. الفجوة بين الخطاب والواقع اتسعت حتى أصبحت عبئاً أخلاقياً قبل أن تكون خللاً مؤسسياً.
وزارة الصحة ليست منصة تصريحات، بل جهاز تنفيذي يقاس أثره بمدى توفر الخدمة وسرعة الاستجابة وجودة الرعاية. الصحة قطاع حساس لا يحتمل التجميل اللفظي، لأن أي قصور فيه يُدفع ثمنه ألماً ومعاناة وربما حياة. المطلوب شفافية كاملة في عرض التحديات، وخطة إصلاح معلنة بمواقيت محددة، ومساءلة حقيقية لكل تقصير، لا الاكتفاء بصور الاجتماعات وعبارات الإشادة.
إعلام ولاية الجزيرة، في صورته الحالية، يبدو منفصلاً عن نبض الشارع الصحي. دوره ليس الترويج، بل الرقابة الإيجابية وكشف أوجه الخلل وتقديم المعلومات الدقيقة للرأي العام. حين يتحول الإعلام إلى منصة تصفيق، يفقد قيمته المهنية ويصبح جزءاً من المشكلة لا أداة للحل.
سنطرق الأبواب، لا بدافع الخصومة، بل بدافع المسؤولية. سنُشعل مصباح ولاية الجزيرة ونُخرج مارده الكامن، لا لنصنع خصومة، بل لنكشف الحقيقة كما هي. فالعمل العام لا يُدار بالعتمة، ولا تُبنى الثقة بالتلميع. الإصلاح يبدأ بالاعتراف، ثم بالتصحيح، ثم بالمحاسبة.
الجزيرة تستحق نظاماً صحياً يحترم كرامة مواطنيها، ويعترف بأن الخدمة حق لا مِنّة. أما الاكتفاء بالجعجعة الإعلامية فلن يُداوي مريضاً، ولن يُصلح جهازاً، ولن يعيد ثقة اهتزت بفعل التناقض بين القول والفعل



