منوعات

معاوية السقا يكتب.. ليست قناة.. إنها الخرطوم حين تتكلم.. من بين الدانات إلى استديو صباح الخرطوم.. حكاية شاشة رفضت أن تنزح

الحرب تكشف معادن الناس، وتكشف أيضاً معادن القنوات.

حين دوت أول دانة في الخرطوم، جمعت كل قناة كاميراتها ورحلت، بحثت عن استديو آمن في بورتسودان أو القاهرة، إلا قناة واحدة، وضعت كرسيها في أم درمان وقالت: هنا أبقى.

قناة الخرطوم.

لم تكن شاشة، كانت جارنا، صوتها من صوتنا، خوفها من خوفنا، ميكروفونها يمشي في الحارة مع المواطن، وكاميرتها تمشي في الخندق مع الجندي. ولذلك صدقها الناس، لأنها لم تختبئ خلف نشرة من بعيد، بل كانت في قلب المعركة، تعكس أخبارها بدمها.

واليوم، بعد أن سكتت المدافع، كان طبيعياً أن تكون هي أول من يلبس ثوب الفرح.

ما حدث في استديو “صباح الخرطوم” ليس افتتاح ديكور جديد، هو إعلان عودة الروح. الديكور الجديد، الإضاءة الجديدة، الشاشة الجديدة، كلها تقول لنا: الحرب انتهت، وصباح الخرطوم يجب أن يعود أجمل مما كان.

*وهنا.. لابد من ذكر الرجل الذي قاد العودة بصمت*

دكتور يوسف الناير.

أنا لا أكتب عن مدير يجلس في مكتب مكيف، أكتب عن قائد ميدان حافظ على هيئة إذاعة وتلفزيون الخرطوم وهي تتساقط حولها المؤسسات.

في زمن الحرب، الإدارة ليست قرارات، هي تثبيت، تثبيت الكادر، تثبيت الكاميرا، تثبيت الفكرة بأن الخرطوم لن تموت.

يوسف الناير فعل ذلك. حافظ على طاقم القناة، وحافظ على أرشيفها، وحافظ على اسمها، ثم حين هدأت الأصوات، أخرج من جيبه خطة كاملة للنهوض، لم يقل انتظروا الدعم، بدأ بما هو موجود، واستديو صباح الخرطوم هو أول ثمار هذه الخطة.

الخطة التي ستشمل، كما علمنا، طفرة شاملة في كل استديوهات القناة وأجهزة البث والتصوير، لأن الرجل يرى أن إعلام الولاية يجب أن يكون بحجم الولاية.

تحية لوالي الخرطوم أحمد عثمان حمزة الذي آمن بأن الإعلام ليس ترفاً، بل هو جزء من معركة التعمير، وسخر له الإمكانيات.

وتحية لكل من وضع لمسة في هذا الاستديو، من حنان عوض المنتجة التي ترتب الصباح كأنها ترتب بيتها، إلى حيدر البدري وسمية حمزة الذين أخرجوا الجمال، إلى المصورين والمهندسين، إلى رشا حرزاي وسامر بشير وعصام كناوي وبقية الوجوه التي حفظناها في الحرب كما نحفظ وجوه أهلنا.
قناة الخرطوم اليوم لا تفتتح استديو، قناة الخرطوم تعلمنا درساً: من يصمد في الحرب، من حقه أن يتجمل في السلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى