
في زمنٍ انكسرت فيه البيوت قبل الجدران، وتشرّد فيه الناس تحت وطأة الحرب، برز مسيد شيخ الأمين بوصفه أكثر من مقامٍ ديني، بل مركز إيواء إنساني مفتوح، احتضن النازحين من ويلات القتال، وقدّم لهم المأوى والزاد والأمان، دون سؤالٍ عن جهة أو لون أو موقف. هنا، سقطت الخطابات النظرية، وتقدّم الفعل المجرد.
دور شيخ الأمين في هذا المشهد لم يكن طارئاً ولا استعراضياً، بل امتداداً لفهمٍ عميق لفقه الواقع، ذاك الذي يضع الإنسان قبل الشعارات، والضرورة قبل الجدل، والرحمة قبل التصنيف. المسيد تحوّل إلى مساحة أمان حين ضاقت المساحات، وإلى عنوان تضامن حين تراجع كثيرون خطوة إلى الخلف.
كل من يأخذ على شيخ الأمين مأخذاً، أو يلوّح باتهامٍ جاهز، يفعل ذلك في الغالب من خارج المشهد، أو من داخل فقاعة القروبات. هناك، حيث تُدار الأحكام بالقصّ واللصق، وتُختصر الوقائع في مقاطع مبتورة، ويُصاغ الرأي العام على إيقاع الإشاعة لا المعرفة. هؤلاء لا يعلمون فقه الجماعات الذي أُلهم به العارف بالله الشيخ الأمين، ولا يدركون أن إدارة الحشود في زمن الخوف تحتاج إلى عقلٍ بارد وقلبٍ واسع.
فقه القروبات يصنع ضجيجاً، لكنه لا يبني مأوى. يطلق اتهاماً، لكنه لا يُطعم جائعاً. يزايد، لكنه لا يحمي نازحاً من برد الليل ولا من رعب القذائف. أما فقه الواقع، الذي يمارسه شيخ الأمين، فيقاس بما يُنجز على الأرض، لا بما يُقال في الهواتف.
لقد كان المسيد، في لحظة سوداء من تاريخ البلاد، نقطة ضوء حقيقية، ومثالاً على أن المؤسسات المجتمعية الأصيلة قادرة على سد الفراغ حين تتعثر الدولة، وأن الدين حين يُفهم على حقيقته يكون ملاذاً لا سلاحاً، وجسراً لا متراساً.
الهجوم على هذا الدور لا يغيّر من حقيقته شيئاً، لكنه يكشف أزمة فهم لدى من يعتقدون أن الوطنية تُقاس بالمنشورات، وأن العمل العام لا يكون إلا وفق قوالبهم الضيقة. السودان اليوم لا يحتمل هذا الترف، ولا هذا الجهل.
سيبقى مسيد شيخ الأمين شاهداً على أن الفعل الصادق أقوى من الشائعة، وأن خدمة الناس في زمن المحن أعلى منزلة من إرضاء قروبات الغضب المؤقت.



