مقالات

معاوية السقا يكتب : أقلام مأجورة أم وعي غائب؟ حين يتحول الرأي إلى سلعة رخيصة ضد العمل الانساني والشيخ الامين

جاءت زيارة القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى مسيد الشيخ الأمين عمر الأمين محمّلة بدلالات سياسية ومجتمعية واضحة، وأغلقت عملياً باباً ظلّ مفتوحاً للشائعات وكتاب الرأي ساكني الابراج العاجية البعيدين عن التصوف ونفحات العبادات وصوت طبول الدعوة لله رب العالمين داعي لتغبيش الصوري لكسب دنيوي وإطلاق الاتهامات المجانية. فهي زيارة دولة لمكانٍ عرفه السودانيون ملاذاً للخير، وفضاءً للخدمة الإنسانية، ومقصداً جامعاً لا يقصي أحداً. هذه الزيارة، في توقيتها ومكانها، بددت كثيراً من الضباب الذي تعمّد بعض المتربصين النفخ فيه. فالمسيد، الذي فتح أبوابه للنازحين والمحتاجين، وقدّم الغذاء والمأوى والعون بلا تمييز، لم يكن يوماً ساحة لتصفية الحسابات ولا منصة لابتزاز الرأي العام. وحين يختار رأس الدولة أن يزوره، فإن الرسالة لا تحتاج إلى تفسير متكلف: الاعتبار بالفعل، لا بالوشاية. المفارقة أن أصواتاً اعتاشت على النقد من خارج المشهد، سارعت إلى مهاجمة الزيارة، في وقت ثبت فيه الشيخ الأمين على الأرض، يخدم الناس، ويحتضن المبادرات، ويقدّم ما عجز عنه كثيرون ممن اكتفوا بالضجيج. النقد حق، لكن تحويله إلى حملة تشهير مستمرة يفضح الدوافع، ويضع صاحبه خارج سياق المهنية والمسؤولية. إن مسيد الشيخ الأمين، بما راكمه من أثر إنساني واجتماعي، صار منارة مفتوحة لكل السودانيين. ومن لا يرى في هذا المشهد سوى السواد، فمشكلته مع رؤيته لا مع الحقيقة. الدولة حين تُكرّم الفعل الإيجابي، فإنها تحصّن المجتمع من خطاب الكراهية، وتعيد الميزان إلى نصابه. في مشهد إعلامي مضطرب، برزت فئة من كتّاب الرأي لا ترى في الكلمة أمانة، بل وسيلة تكسب رخيص، فاستبدلت الوعي بالتفاهة، والرسالة بالابتزاز، والحجة بالبذاءة. هؤلاء لم يقفوا عند حدود الاختلاف المشروع، بل انحدروا إلى تسويق الإسفاف بوصفه جرأة، وإلى تسفيه القيم بوصفه تنويراً، في مفارقة فاضحة تكشف خواء الفكرة وضحالة المقصد. المؤسف أن بعض هذه الأقلام، التي تتزيّا بلبوس الرأي العام، آثرت الهروب من خطاب القيم والدعوة إلى الخير، وانشغلت بصناعة الإثارة الرخيصة، متعمدة إقصاء المعنى، ومخاصمة الأخلاق، وافتعال المعارك الوهمية. وحين يُسأل أحدهم عن الغاية، تأتي الإجابة في صورة تبريرات باهتة، بينما الحقيقة أوضح من الشمس: التكسب من الفوضى، والارتزاق من تشويه السمعة. ليس من الحكمة أن يُختزل الرأي في سبٍّ أو تحريض، ولا أن تُستبدل الكلمة المسؤولة بضجيج يسيء للمجتمع قبل أن يسيء للأفراد. فالدعوة إلى القيم ليست ترفاً، والحديث عن الأخلاق ليس وعظاً أجوف، بل هو صمام أمان يحفظ المجتمع من الانزلاق. أما الذين تركوا هذا الطريق، وراهنوا على الإثارة، فإنهم يراكمون وزرهم بأيديهم، ويحيطون أعناقهم بعاقبة ما يصنعون. التاريخ الإعلامي لا يرحم. الأقلام التي خدمت الناس بقيت، وتلك التي باعت ضمائرها تهاوت مع أول اختبار. والمجتمع، مهما طال صبره، يفرز في النهاية، ويميز بين من يكتب بضمير ومن يكتب بأجر. إن تحويل المنابر إلى مساحات للسباب لا يصنع رأياً، ولا يبني وعياً، بل يهدم الثقة، ويُفقد الكلمة قدسيتها. المطلوب اليوم مراجعة صادقة: إما كلمة مسؤولة تُنير الطريق، أو صمتٌ كريم يحفظ ما تبقى من احترام للمهنة. فالكلمة إن لم تكن لله والوطن والناس، تحولت إلى عبء، وصاحبها إلى شاهد على نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى