مقالات

مسارب الضي | د. محمد تبيدي -وزير التربية بين الحسم والتشويش.. حين تختلط الرسالة بضجيج الأدوار الزائفة

وعلى حد قولي:
في ساحةِ العلمِ إن ضاعَ الوقارُ بها
تاهت عقولُ الورى واستأسدَ الجهلُ
والعلمُ يبقى إذا صُنَّت منابرُهُ
ويخبو الضياءُ إذا ما شابهُ الهزلُ

في مشهدٍ يعكس حجم الفوضى التي تسللت إلى جسد العملية التعليمية، برز ظاهرة “الرجواسات” وأشباه المعلمين، تلك الظاهرة التي تمددت في فراغ الرقابة وتحت لافتات براقة تخفي خلفها ضعف التأهيل وسطحية الرسالة.
لم يكن القرار مجرد إجراء إداري عابر، بل جاء كاستجابة ضرورية لحالة التسيب التي حوّلت بعض منصات التعليم إلى مسارح هزلية، يُستعرض فيها الأداء التمثيلي الباهت أكثر مما يُقدَّم فيها العلم الرصين. فبدلاً من أن تكون قاعات الدرس فضاءات للفهم والتأصيل، أصبحت في بعض النماذج ساحات للضحك العابر وجذب الانتباه عبر “دراما رخيصة” لا تمت بصلة لجوهر التعليم.
إن ما يحدث ليس بريئاً، بل هو استثمار مباشر في هشاشة وعي الطلاب، حيث يتم استدراجهم عبر أساليب استعراضية تفتقر للمنهجية، وتُقدَّم على أنها بدائل حديثة للتدريس، بينما هي في حقيقتها مجرد أدوات “ترند” تُسخّر لزيادة المتابعين وتحقيق مكاسب مادية على حساب مستقبل جيلٍ كامل.
يجب أن بشرع الوزير بإيقاف هذه الظواهر يضع حداً فاصلاً بين التعليم كرسالة، والتعليم كوسيلة استهلاكية. يجب أن تكون الرسالة واضحة مفادها أن المهنة ليست ساحة مفتوحة لكل من يملك قدرة على الإلقاء أو التمثيل، بل هي مسؤولية أخلاقية وعلمية تتطلب تأهيلاً حقيقياً وانضباطاً مهنياً.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إصدار القرار، بل في آليات تنفيذه واستمراريته. فمثل هذه الظواهر لا تنشأ من فراغ، بل تجد بيئة خصبة في ضعف الرقابة، وتراجع دور المؤسسات الرسمية في ضبط العملية التعليمية، وغياب معايير واضحة لممارسة مهنة التدريس خارج الإطار النظامي.
إن إعادة الاعتبار للمعلم الحقيقي، وتمييزه عن “أشباه المعلمين”، تمثل الخطوة الأولى في استعادة هيبة التعليم. كما أن توعية الطلاب وأسرهم بخطورة الانسياق خلف هذه العروض الهزلية، تمثل خط الدفاع الثاني في مواجهة هذا الانحدار.
التعليم ليس منصة للهرج، ولا مجالاً للتجريب العشوائي، بل هو حجر الأساس لأي مشروع وطني يسعى للنهوض. وحين يتحول إلى مادة للعرض الرخيص، فإن الخسارة لا تكون آنية، بل تمتد آثارها لعقود قادمة.

وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى