
وعلى حد قولي:
إذا أضاء الحرفُ وجهَ زمانِنا
سكنَ الضبابُ وعادَ صوتُ الحقِّ بانِ
والصورةُ إن صدقتْ حكتْ تاريخَنا
ومضى الإعلامُ في دربِ الأمانِ
في زمنٍ تكسّرت فيه المرايا، واختلطت فيه الأصوات، وبهتت فيه الحقيقة بين تضخيمٍ متعمدٍ وتزييفٍ ممنهج، خرجت قناة فراديس كما لو أنها ماردٌ تحرر من إبريقه، لا ليُرهب، بل ليُنير؛ لا ليُضلل، بل ليعكس الواقع كما هو حقيقةً وصورةً وصوتاً، شاهداً على العصر لا تابعاً له.
فراديس ليست مجرد شاشة جديدة في فضاء مكتظ، بل هي مشروع وعي، ومحاولة جادة لإعادة تعريف العلاقة بين الإعلام والمجتمع. في تجربتها الحديثة، اختارت أن تنحاز إلى المهنية الصارمة، وأن تُعيد الاعتبار لقيمة الخبر، ولمعيار التحقق، ولأخلاقيات الطرح. لم تركض خلف الإثارة الرخيصة، ولم تستثمر في الفوضى البصرية، بل راهنت على المحتوى، وعلى عقل المشاهد السوداني الذي تعب من الاستهلاك السطحي.
الميزة الجوهرية في قناة فراديس أنها لم تنفصل عن ثقافة السودان، ولم تتعالَ على بيئتها الاجتماعية، بل تشربت روح المكان. في برامجها الثقافية، استحضرت الموروث الشعبي، والأدب الشفاهي، والسير الوطنية، وقدمتها بلغة عصرية دون أن تُفرغها من أصالتها. أعادت التراث السوداني قيمته الرمزية، وللإعلام مكانته، وللقصة المحلية بعدها الإنساني. هكذا فقط يكون الإعلام جزءاً من النسيج، لا جسداً غريباً فيه.
وفي الشأن العام، تعاملت القناة مع القضايا الوطنية بقدرٍ عالٍ من المسؤولية. لم تتورط في خطاب الكراهية، ولم تنزلق إلى الاصطفاف الأعمى، بل فتحت مساحاتها للنقاش الرشيد، مستضيفةً خبراء وأكاديميين وصناع قرار، في حوارات تُبنى على الحجة لا على الصراخ. هذا النهج يعكس فهماً عميقاً لدور الإعلام بوصفه سلطة رقابية ناعمة، لا أداة تعبئة عاطفية.
تقنياً، قدمت فراديس نموذجاً مهنياً لافتاً. جودة الصورة، نقاء الصوت، الإخراج المتوازن، وتوظيف الوسائط الرقمية، كلها عناصر تؤكد أن التجربة لم تُبنَ على الارتجال. هناك تخطيط، وهناك رؤية تحريرية واضحة، وهناك إدراك بأن المشاهد المعاصر يقارن بين المحلي والعالمي في اللحظة نفسها. من هنا، جاءت الرسالة البصرية متماسكة، لا تقلد، ولا تستنسخ، بل تُنتج هويتها الخاصة.
الأهم من ذلك، أن القناة أعادت الاعتبار للإنسان السوداني البسيط. نقلت صوته من الهامش إلى المتن، من الأطراف إلى المركز. رصدت قصص النجاح الصغيرة، والمبادرات المجتمعية، وأضاءت على جهود الشباب والمرأة في البناء والإعمار. هذا الانحياز للواقع الحي هو ما يمنحها صدقية، ويجعلها قريبة من الناس، لا بعيدة عنهم خلف ستار الاستديوهات.
إن خروج المارد هنا ليس أسطورة، بل استعارة لولادة إعلامٍ جديدٍ يدرك أن القوة ليست في الضجيج، بل في الثبات على المهنية. فالإبريق الذي انطلقت منه الحكاية لم يكن إلا رمزاً لإرادة فريقٍ آمن بأن السودان يستحق إعلاماً يليق بتاريخه، ويواكب حاضره، ويستشرف مستقبله. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تجربة فراديس باعتبارها خطوة في مسار تصحيح العلاقة بين الكلمة والواقع.
لقد أثبتت التجربة أن الإعلام السوداني قادر على التجدد، متى ما توفرت الإرادة والرؤية. فراديس لم تأتِ لتلغي أحداً، بل لتضيف قيمة. لم ترفع شعار القطيعة، بل شعار التطوير. وفي ذلك رسالة ضمنية لكل المؤسسات أن البقاء للأكثر مهنية، والأقرب إلى نبض الشارع، والأصدق في نقل الصورة.
إن استصحاب ثقافة السودان في الخطاب الإعلامي ليس ترفاً، بل ضرورة استراتيجية. فالدول التي تفقد سرديتها تفقد قدرتها على تعريف نفسها أمام العالم. فراديس، وهي تفتح نوافذها، تُسهم في صياغة سردية سودانية متوازنة، لا تنكر التحديات، ولا تُغفل الإنجازات، بل تضع كل شيء في سياقه الموضوعي.
من هنا، فإن تمجيد هذه التجربة لا يعني إسباغ الكمال عليها، بل الإقرار بأنها تمثل اتجاهاً صحيحاً في زمنٍ مضطرب. التجربة ما زالت فتية، والطريق طويل، لكن المؤشرات إيجابية، والبوصلة تبدو مستقيمة. وحين يجتمع الوعي بالمهنية، والثقافة بالتقنية، يصبح الإعلام جسراً لا فجوة، ونوراً لا ظلاماً.
قناة فراديس، وهي تخرج من القمقم، لا تقدم وعداً حالماً، بل ممارسة يومية تثبت أن الحقيقة يمكن أن تُعرض بكرامة، وأن الصورة يمكن أن تُحترم، وأن الصوت يمكن أن يكون شاهداً أميناً على العصر.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة




