مقالات

مسارب الضي | د. محمد تبيدي : الدولة أعلى من الأشخاص.. أم الأشخاص فوق الدولة؟… اراضي الخرطوم تكشف المستور

🔴 الدولة أعلى من

وعلى حد قولي:
إذا انكسر القانون في يد الحاكم
ضاع العدل بين الناس
وإذا صار المنصب ميراثاً
تحولت الدولة إلى غنيمة

ما جرى داخل مكاتب أراضي ولاية الخرطوم ليس حادثة عابرة، ولا مشادة يمكن طيّها ببيان علاقات عامة، بل واقعة كاشفة لمرض قديم متجدد اسمه الدولة، حيث تختلط الصفة بالقرابة، والمنصب بالمصلحة، والقانون بالأهواء.
القضية في جوهرها لا تتعلق فقط بعضو في مجلس السيادة، ولا بموظف عام أدى واجبه وفق اللوائح، وإنما بسؤال أكبر: هل ما زالت مؤسسات الدولة محكومة بالقانون، أم أنها أصبحت رهينة لتدخلات نافذين يرون في المنصب تفويضاً مفتوحاً لتجاوز التراتبية الإدارية؟
إن تدخل أي مسؤول سيادي لتسريع أو فرض معاملة تخصه أو تخص أسرته يمثل خرقاً سافراً لأبسط قواعد الحكم الرشيد. الأخطر من ذلك أن يتم هذا التدخل عبر الضغط على موظف أفنى أربعة عقود من عمره في خدمة الدولة، فقط لأنه تمسك بالقانون ورفض أن يكون جسراً للفساد.
وتزداد خطورة المشهد حين نضعه في سياق أوسع، يتعلق بمحاولة التصرف في أرض وقف ديني. الوقف، شرعاً وقانوناً، لا يباع ولا يجزأ ولا يملك، وأي محاولة لتحويل حق انتفاع محدود إلى بيع نهائي ليست اجتهاداً إدارياً، بل شبهة فساد مكتملة الأركان، تستوجب التحقيق والمساءلة، لا الغضب والنفوذ.
ثم نصل إلى المنطقة الأخطر، حين يتحول المنصب السيادي إلى مجال نفوذ عائلي، بظهور متكرر لأقارب دون صفة دستورية، ومشاركتهم في فعاليات رسمية، بل والتدخل في إدارة المكاتب والقرارات. هنا لا نتحدث عن خطأ بروتوكولي، بل عن تقويض مباشر لمفهوم الدولة المؤسسية.
السودان ليس في ترف التجاهل. هذا بلد خرج في ثورة ضد التمكين والمحسوبية، ثم دفع ثمناً باهظاً في حرب مدمرة، ولا يعقل بعد كل هذا النزيف أن تستمر ذات الممارسات القديمة، وكأن شيئاً لم يكن. التواطؤ، والصمت، ودفن الرؤوس في الرمال، لا يصنع استقراراً، بل يؤسس لانفجارات قادمة.
إعلان حكومة ولاية الخرطوم عن تقصي الحقائق خطوة مطلوبة، لكنها لا تكفي إن لم تُستكمل بشفافية كاملة، ومحاسبة عادلة، وحماية صريحة للموظف العام الذي تمسك بالقانون. فالدولة التي تعاقب موظفيها على نزاهتهم، وتكافئ المتجاوزين بنفوذهم، دولة تهدم نفسها بيدها.
هذه ليست معركة أشخاص، بل معركة دولة. إما أن ينتصر القانون، ويحاسَب كل من تجاوز سلطته أيّاً كان موقعه، أو نقرّ صراحة أننا ما زلنا نعيش في دولة أشخاص لا دولة مؤسسات.

وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى