
تناولتُ قضية اغتصاب طالبة الأبيض في تقريرٍ سابق لصحيفة الكرامة تحت عنوان «جريمة تهز الضمير الإنساني». يومها، لم أكن أبحث عن سبقٍ صحفي، بقدر ما كنت أفتش عن معنى: كيف لبلادٍ مثقلة بالحروب والخذلان أن تحتمل حربًا أخرى على أطفالها؟ استنطقتُ مختصين، وفتحتُ باب الأسئلة الثقيلة، بالأمس الأحد، صدر الحكم: عشر سنوات سجناً على المدان حكمٌ يُقال في سطر، لكنه لا يكفي لطمأنة ضمير.
تعود تفاصيل القضية إلى أواخر أكتوبر 2025،تلميذة في السادسة من عمرها، بالصف الثاني الابتدائي، عادت من المدرسة وهي تحمل وجعاً لا اسم له،لاحظت أسرتها تدهور حالتها الصحية، فسارعت بإسعافها إلى المستشفى، هناك قال التقرير الطبي كلمته ببرودٍ قاسٍ: مؤشرات واضحة على تعرضها لاعتداء يُشتبه في كونه جريمة اغتصاب، لاحقاً، في إفادتها الأولية، ذكرت الطفلة أن أحد معلمي التربية الإسلامية بإحدى المدارس الخاصة هو من ارتكب الجريمة وهددها إن تحدثت،هكذا، في المكان الذي يُفترض أن يُعلّم القيم، سقطت القيم أولًا.
القضية لم تمر مرور الخبر العابر، بل أثارت موجة غضب واستنكار في الأوساط التعليمية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، ليس لأن الفعل صادم فحسب، بل لأن الخيانة مزدوجة: خيانة الطفولة، وخيانة المهنة،مختصون حدثوني أن ما جرى جرس إنذار جديد لهشاشة منظومة حماية الأطفال، خصوصاً في بعض المدارس الخاصة، حيث يغيب التفتيش الصارم، وتُترك الثقة بلا رقابة، دعوا إلى مراجعة شاملة للسياسات التعليمية، والتفتيش الدوري على المدارس، ووضع آليات تبليغ تحمي الطفل قبل أن تحاسب الجاني.
القانون الجنائي السوداني عرّف الاغتصاب في المادة 149 بوصفه اعتداءً جنسيًا على المرأة أو الرجل أو الطفل والطفلة، وبذلك يكون المجتمع كله ضحية محتملة، لكن العقوبة، كما جاءت في النصوص والتطبيق، لا ترقى إلى بشاعة الجريمة، عشر سنوات لا تكفي، لا تُعيد للطفلة طفولتها، ولا تُقنع المجتمع بأن العدالة قادرة على الردع حين تُغتال البراءة، يجب أن تكون العقوبة بقدر الجريمة، لا أقل منها.
ولم يعد كافياً أن نقف عند إدانة الأفراد وحدهم، فالمسؤولية هنا أوسع من فعلٍ إجرامي معزول، وتمتد إلى التشريع ذاته،على مجلس رعاية الطفولة، ووزارة العدل، والمنظمات العاملة في حماية الأطفال، أن يفتحوا هذا الملف بشجاعة، وأن يبادروا إلى تعديل القوانين وتشديد العقوبات على مرتكبي جرائم اغتصاب القاصرات، فالقانون حين يتساهل، لا يكون محايداً ، بل شريكاً بالصمت.
الأدهى أن هذه ليست كل الحكايات، هناك جرائم لا تصل قاعات المحاكم، تُدفن بالخوف، أو بالصمت، أو بالوصم، أطفال أبرياء يواجهون وحوشاً بملابس بشرية، تغتال الطفولة ثم تختفي في الظل،ما ذنب هؤلاء؟ وما ذنب مجتمعٍ يخفف العقوبة، فيبعث رسالة خاطئة: أن الجريمة محتملة، وأن الثمن محتمل أيضاً؟
لذلك، فإن تشديد الحكم ليس انتقاماً، بل وقاية.. وقاية للمدرسة بوصفها مكاناً آمناً، وللقانون بوصفه حارساً للضعفاء، وللمستقبل الذي يبدأ دائمًا من طفلٍ آمن، العدالة التي لا تُرهب الجناة، تُخيف الضحايا وهذا وحده حكمٌ غير قابلٍ للاستئناف.




