
في الوقت الذي يهرب فيه رجال الأعمال والشركات العالمية، وحتى الأفراد، من الإمارات، وتتساقط عليها الصواريخ والطائرات المسيّرة، يفاجئنا رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بزيارة مباغتة إلى أبوظبي، دون مقدمات. هنا يقفز السؤال المهم: ماذا يريد الرجل من حكّام أبوظبي في هذه الظروف الحرجة؟ وهل جاءت الزيارة بطلب منه، أم تمّ استدعاؤه على جناح السرعة؟
تتدافع الإجابات المحتملة، وأقربها أنّ آبي أحمد واقع في ورطة حقيقية. دعك من التوترات المستمرة في إقليم تيغراي، وأزمة الجوع والمشاكل الصحية، وانعدام الكهرباء، وارتفاع معدلات سوء التغذية بين الأطفال، ونقص الوقود، والخسائر التي مُني بها قطاع الطيران في الآونة الأخيرة. فضلاً على أنّ إثيوبيا دولة حبيسة بلا منفذ، وأن كل محاولاتها للوصول إلى ميناء على البحر باءت بالفشل.
كل هذه أزمات معلومة تحاصر حكومة آبي أحمد منذ سنوات، لكنها لا تفسِّر وحدها هذه الزيارة المفاجئة في قلب نيران الحرب الدائرة بالخليج. فما المستجدّ الذي يدفعه إلى الطيران بهذه العجلة إلى أبوظبي؟ ثمّة احتمالان راجحان: الأول أن آبي أحمد جاء عارضاً خدماته، متحفزاً لإرسال قوات إثيوبية إلى الخليج للمشاركة في الحرب حال تطورت إلى مواجهة على الأرض، طمعاً في مكاسب سياسية ومالية يحتاجها بشدة لتثبيت حكمه المتداعي من الداخل، وتعويض بعض خسائره الاقتصادية والسياسية. الاحتمال الثاني أن الزيارة متصلة مباشرةً بملف السودان، وأن الرجل جاء ليتلقّى “التوجيهات الأخيرة” لفتح جبهة جديدة ضد الخرطوم، أو على الأقل لمواصلة استنزاف الجيش السوداني عبر حروب بالوكالة، في مقابل استمرار تدفق الدعم المالي والسياسي من أبوظبي، وهذا الاحتمال تحديداً أقرب إلى الصحة، والشاهد التصعيد الإعلامي والسياسي المتزامن تجاه السودان والقوات المساندة للجيش، إلى جانب المسيّرات الأخيرة التي استهدفت مدارس أطفال في بحر أبيض والدلنج والنيل الأزرق، وقد أشارت عدة تقارير إلى انطلاقها من داخل الأراضي الإثيوبية، حيث سربت وكالة رويترز معلومات عن بناء معسكرات لقوات الدعم السريع في إقليم بني شنقول بدعمٍ إماراتي، كما اتهمت الحكومة السودانية أديس أبابا رسمياً باستهداف الأراضٍ السودانية بطائرات مسيّرة، في ما يشبه إعلان حرب غير معلن من جانب القيادة الإثيوبية.
بهذه المغامرة الخطيرة يجد آبي أحمد نفسه اليوم بين فكي كماشة، من جهةٍ ضغوط داعميه الإقليميين للمضيّ في إشعال جبهة السودان واستنزاف الجيش الوطني، ومن جهةٍ أخرى الخوف من أن يؤدي التورّط أكثر في هذه الصراعات إلى انفجار الداخل الإثيوبي المرهق أصلاً بالصراعات القومية، والأزمات المعيشية، وشبح المجاعة الذي يلوح في الأفق.
وحال استجاب آبي أحمد لضغوط الداعمين وواصل هذه السياسة، قد يحصل على جرعة أوكسجين مالية وسياسية مؤقتة، لكنه يغامر بجرّ بلاده إلى حافة الانهيار الشامل. وإن حاول التراجع أو التخفّف من هذه الالتزامات، فإنه يواجه خطر خسارة الوعود بالدعم المالي، وربما خسارة منصبه نفسه في لعبة توازنات إقليمية لا ترحم، وبالتالي فإن الرجل في ورطة حقيقية.



