الاخبار

شموخ عمر تكتب : روني صباحي والحرفنه ….”.سايقة الهبل على الشيطنة

في زمن السوشال ميديا لم يعد السؤال من يملك الموهبة بل من يملك القدرة على البقاء داخل دائرة الحديث
لم يعد المحتوى هو البطل دائما وأحيانا يصبح غياب المحتوى محتوى في حد ذاته
المهم ألا تغيب عن المشهد وأن يظل اسمك يتردد مهما اختلفت الأسباب
هذه هي النقطة التي تجعل تجربة روني صباحي تستحق القراءة بعيدا عن الأحكام السريعة

كثيرون اختصروا روني في صورتين لا ثالث لهما
إما فتاة مسكينة تعاني من قسوة المجتمع أو شخصية غريبة الأطوار لا تدرك ما تفعل
لكن بين هذين التوصيفين تضيع فرضية أخرى أكثر إثارة للاهتمام وهي أنها كانت تدير حضورها الرقمي بوعي أكبر مما يظن الجميع
فمن يتأمل مسيرتها يلاحظ أن الأحداث لم تكن معزولة عن بعضها بل كانت تتوالى بطريقة تبقيها دائما داخل دائرة النقاش

بدأت بلوحات تعرض بأسعار فلكية لا لأن السوق كان مستعدا لدفع تلك الأرقام وإنما لأن السعر نفسه تحول إلى قصة يتداولها الناس أكثر من اللوحات
ثم جاءت أغنية شبابيك التي منحتها مساحة انتشار جديدة قبل أن تدخل مرحلة قصة العشق التي أطلقت عليها هي نفسها التبرهم لتصبح واحدة من أكثر القص تداولا لسنوات
كل محطة كانت تنتهي لتبدأ أخرى وكأن القضية لم تكن الحدث نفسه وإنما استمرار الحكاية

المثير في تجربة روني أن أدواتها لم تكن تقليدية
لم تعتمد على صورة النجمة المكتملة ولا على الجمال المتعارف عليه ولا على الأناقة التي اعتادها الجمهور
على العكس تماما صنعت حضورها من البساطة المفرطة ومن مظهر يوحي بالعفوية ومن شخصية تبدو أقرب إلى الدرويشة منها إلى التصنع
وهنا تكمن الحرفنة على قولة المثل المصري: “سايقة الهبل على الشيطنة ”
لأن المجتمع بطبيعته يتعامل بقسوة أكبر مع المرأة التي تبدو واثقة من إغرائها أو متعمدة لإثارة الانتباه
أما حين تأتي الرسالة نفسها من شخصية تبدو بريئة بسيطة وربما مستضعفة فإن كثيرا من سهام النقد تفقد حدتها
يتحول الهجوم إلى شفقة ويتحول الاستنكار إلى محاولة للفهم ويصبح النقاش حول الشخص نفسه لا حول الفعل
هذه ليست براءة بالضرورة كما أنها ليست خداعا بالضرورة لكنها إدارة ذكية للصورة الذهنية

في السودان تعرضت للسخرية بسبب مظهرها وبسبب حديثها وبسبب لوحاتها وبسبب محاولاتها الغنائية
لكنها كانت تعود في كل مرة بصورة مختلفة دون أن تتخلى عن الشخصية الأساسية التي صنعتها منذ البداية
وحين انتقلت إلى كندا ثم بدأت تركيزها على الجمهور المصري والخليجي كانت تدرك على ما يبدو أن هذه الأسواق الرقمية أكثر استعدادا للتفاعل مع الشخصيات غير التقليدية وأن التعاطف نفسه يمكن أن يتحول إلى رأسمال رقمي يترجم إلى مشاهدات وهدايا وانتشار
لهذا كانت تلح على الظهور في السعودية ثم في مصر وكانت تخاطب صناع المحتوى وخبيرات التجميل والبراندات بإصرار
لم يكن ذلك مجرد بحث عن فرصة بل كان بحثا عن سوق جديد أكثر قابلية لاستقبال الشخصية التي بنتها

لكن المفارقة ظهرت عندما قررت أخيرا الاقتراب من الصورة التي ظل الجمهور يطالبها بها سنوات المكياج والتصوير الاحترافي والملابس الجديدة والإطلالة الأكثر عصرية
ظاهريا بدا الأمر وكأنه انتصار للجمهور
لكن تسويقيا ربما كان بداية خسارة جزء من المعادلة
وللأسف طغت على كل من اشترك في هذا التحول اللافت من خبيرة تجميل وصاحبة براند تياب ودراعات وفوتغرافر وفنانة مشهورة
لأن روني لم تكن سلعة في ساحة تفاوض كانت هي البائعة وهي المشتري وهي المنتج هي من ألحت على هذا التغيير
هذا ما يعرف بمتلازمة الوهج المزيف Fame ≠ Sales فالتعاون مع مشهور قد يصنع ضجة وقتية لكنه لا يضمن مكاسب تسويقية
لأن الناس لم يتعلقوا بروني بسبب المكياج ولا بسبب الأزياء ولا بسبب جودة الصور
تعلقوا بالقصة التي تمثلها تعلقوا بالشخصية التي تبدو مختلفة عن الجميع
كانت هي نفسها المنتج وكانت الحكاية هي العلامة التجارية
لهذا فإن تغيير الغلاف لا يضمن نجاح المنتج إذا كان سبب الشراء أصلا هو ذلك الغلاف

وهنا نصل إلى الفكرة الأهم
في عالم الشهرة الرقمية المرجع الأساسي لأي شخصية ليس عدد المتابعين ولا جودة التصوير ولا حتى حجم الجدل
المرجع الحقي هو الهوية الأولى التي جعلت الناس يتوقفون أمامها
يمكن تطويرها ويمكن صقلها ويمكن تحسينها لكن لا يمكن استبدالها بالكامل دون أن يفقد الجمهور سبب اهتمامه الأول

وروني سواء اتفقنا معها أو اختلفنا حول اختياراتها نجحت في شيء يصعب إنكاره
نجحت في أن تجعل نفسها موضوعا دائما للنقاش
وهذا في اقتصاد الانتباه يعد إنجازا بحد ذاته
لكن النجاح في جذب الانتباه شيء والنجاح في تحويله إلى قيمة فنية مستدامة شيء آخر تماما

وربما لهذا تبدو تجربة روني درسا مهما لكل صانع محتوى
ليس لأن الجميع يجب أن يقلدها بل لأن الجميع يحتاج أن يعرف من أين جاءت قيمته الأساسية قبل أن يندفع وراء إعادة تشكيل نفسه لإرضاء الجمهور
ففي النهاية كل الطرق قد تقود إلى الانتشار لكن ليس كل انتشار يقود إلى البقاء
والبقاء يبدأ دائما من معرفة الإنسان بما يملكه حقا لا بما يطلبه الناس منه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى