منوعات

ريم يونس تكتب : قراءة في تجربة الشاعر والروائي هاشم محمود في الشعر الغنائي

يقف الشاعر والروائي *هاشم محمود* على مفترقٍ بديعٍ بين السرد والوجدان، حيث تتنفس رواياته بالشعر، ويغني شعره بلسان الحكاية. ولم تكن تجربته في الشعر الغنائي استثناءً من هذا التلاقح، بل كانت امتداداً طبيعياً لروحه التي تعرف كيف تحوّل اليومي إلى أسطورة، والبسيط إلى معنى.

في أغانيه، لا يبحث هاشم عن القوافي المتكلفة، ولا عن الصور المكرورة. بل ينحاز إلى لغةٍ رفيعةٍ تلامس الأرض، وتنتمي إلى الناس، دون أن تهبط من علياء الجمال. لغةٌ كأنها حديث بيتٍ سوداني أصيل، لكنها تُقال ببلاغة الشاعر الذي قرأ التراث وتأمل الحاضر.

*1. “سيف الجامعة” – نشيد الاعتزاز*
تغنى به *سيف الجامعة*، فجاءت القصيدة نشيداً للفخر والصمود. لم يكن المديح هنا مجرد تعداد مناقب، بل كان استحضاراً لرمزٍ جماعي. يكتب هاشم عن “السيف” لا كأداة قتال، بل ككناية عن العزة التي لا تنكسر، وعن الشباب الذي يحمل على كاهله هم الوطن.
الإيقاع في النص مشدودٌ كوتر، والكلمات مختارة بعناية توحي بالقوة دون صخب، وبالفخر دون غرور. وهنا تظهر براعة الروائي: فهو يبني شخصية “سيف” كما يبني بطل رواية، لها ماضيها وحاضرها وأملها.

*2. “مجذوب أونسة” – حنينٌ إلى البساطة*
وعندما تغنى به *مجذوب أونسة*، انعطف هاشم محمود إلى فضاءٍ آخر: فضاء الحنين والأنس.
“أونسة” ليست مجرد سهرة، بل هي طقسٌ سوداني للتواصل، للبوح، للذاكرة. يصوغ الشاعر كلماته وكأنه يجلس معنا على البروش، يحكي عن الوجوه التي غابت، وعن الضحكة التي كانت تملأ المكان.
اللغة هنا رقيقة، شفافة، لكنها عميقة. لا تبتذل العاطفة، بل ترفعها. ينجح هاشم في أن يجعل من “الأونسة” مرآةً للوطن كله: دفؤه، وحدته، وحزنه الصامت.

*3. “مبارك محمد علي” – صوت الأرض*
ومع *مبارك محمد علي*، يعود هاشم إلى الجذر. إلى الطين، إلى النيل، إلى صوت الحقيبة المتجدد.
يمنحه نصه مساحةً ليغني للإنسان السوداني في تعبه وصبْره. لا شعارات، ولا خطابة. فقط لقطاتٌ من الحياة اليومية تُرفع بالكلمة إلى مقام الشعر. وهذه هي عبقرية هاشم: أن يرى الملحمة في تفاصيل الكسرة وملاح الويكة، وفي ضحكة العمدة فوق العنقريب.

*الخاتمة: شاعرٌ يكتب للأغنية كما يكتب للرواية*
تجربة هاشم محمود في الشعر الغنائي ليست هامشاً في مسيرته، بل هي الوجه الآخر لروايته. فهو يكتب الأغنية بعقل الروائي الذي يبني المشهد، وبقلب الشاعر الذي يصوغ الوجدان.
لذلك جاءت أغانيه خالدة، لأنها لم تُكتب للمناسبة، بل كُتبت للزمن. لغةٌ رفيعةٌ لا تتعالى على الناس، وصورٌ من رحم الواقع لا تنفصل عن الحلم.

هاشم محمود يذكرنا بأن الأغنية السودانية، حين تكون صادقة، تصبح هي الأخرى روايةً قصيرة… تُغنى بدلاً من أن تُقرأ.

*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى