مقالات

رمضان محجوب.. يكتب : “آنواء الروح” شهادة قلم عاصر الانكسار (الحلقة الثانية) ​إفطار الوداع

​▪️ قبل أن يغدر بنا صباح السبت، الخامس عشر من أبريل، كانت الخرطوم تعيش حالة من “الاحتقان الجنائزي”. كانت التقارير الصحفية تتقاطر مثقلة بالنذر، وأحاديث الاستخبارات التي تهمس بها المجالس، تشير جميعها إلى أن “المليشيا” قد اختارت طريق العناد المُر.
▪️كان المشهد السياسي يغلي فوق صفيح ساخن، والوساطات تترنح في ردهات الفنادق، بينما كان الواقع على الأرض يتحدث لغة أخرى تماماً؛ لغة التحشيد والتمترس خلف أوهام السلطة.
​▪️ كان حشد “الدعم السريع” لقواته ينساب كالأفعى في مفاصل العاصمة، يتسلل في ليل الغدر ليحتل المواقع الاستراتيجية تحت لافتات زائفة. وتعنت “دقلو إخوان” في غرف التفاوض كان ينذر بأن لغة الرصاص أصبحت أقرب من حبل الوريد، وأنهم قد عقدوا العزم على “ابتلاع” الدولة أو إحراقها.
▪️ ومع ذلك، وبرغم كل الدلائل التي كانت تصفع الوجوه، لم تكن أسوأ كوابيسنا تتخيل أننا سنرى أشلاءً ودماءً ودماراً يبتلع أحلامنا في لمحة بصر، ويحول العاصمة الآمنة إلى ساحة حرب مفتوحة لا ترحم شيخاً ولا طفلاً.
​▪️ كنا في مدينة إسكان “الصفوة”، غربي أم درمان؛ ذلك السودان المصغر الذي يحتضن قرابة تسعين ألف نسمة في ستة عشر ألف وحدة سكنية. في ذلك الحي، كنا ستة من رفاق الحبر والكلمة، نسكن الهَمّ والوطن قبل أن نسكن المربعات، نقتات الأمل من عيون البسطاء. أذكر هنا جيراني وإخواني الذين تقاسمت معهم ملح الكلمة؛ الأساتذة محمد عبد الله يعقوب، ومحمود جيلي من التلفزيون القومي، وعبد الله سليمان من إعلام وزارة الري، والمخضرم عبد الماجد الكبوشابي، وجاري عبد الله صغيرون من هيئة البث الإذاعي، وتلاميذي الأوفياء دكتور آدم حسن آدم ودكتور حافظ إبراهيم كوكو.
​▪️ كنا نظن أن هوية “الصحافة” والوطنية هي الرابط المقدس الذي يحمينا، ولم نكن نعلم أن بعض جيراننا —ممن اشتروا البيوت بأموال “عاصفة الحزم”— كانوا يعدون العدة ليوم آخر، يومٍ تُغرز فيه السكاكين في خاصرة الجيرة. كانت تلك الأموال التي تدفقت فجأة قد خلقت طبقة من “المستوطنين الجدد” داخل حينا، يحملون في صدورهم أجندات غريبة عن روح “الصفوة” وتماسكها الاجتماعي.
​▪️ يوم الجمعة،الثالث والعشرين رمضان والذي وافق الرابع عشر من أبريل، قبل الحرب بـأربع وعشرين ساعة فقط، جمعنا إفطار رمضاني أمام منزلي. كان الجو مشحوناً بتوتر غريب يلمسه المرء في نظرات المارة، وسلوك المواطنين في الطرقات، وحركة الشاحنات التي تنقل جنود الدعم السريع القادمين من الغرب عبر طريقي سودري والصادارات الي قلب العاصمة “العاصفة “لا تهدأ. على تلك المائدة، التي كانت الأخيرة لنا كجيران تحت سقف الأمان…
▪️حلللنا المشهد بعين “المراقب” الفاحصة، وكان الجميع يتوقع “شيئاً ما” غادراً من قبل الدعم السريع، لكننا تناولنا حينها طعامنا بسلام زائف، متشبثين ببقايا طمأنينة كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة.
​▪️ لم نكن ندرك لحظتها أننا نسكن في قلب “المثلث المحرم”؛ فبينما كان معسكر “فتاشة” التدريبي للمليشيا يتربص بنا من الغرب، ومعسكر “الكونان” للجيش يحرسنا من الشمال، وقوات “النسور” للشرطة ترابط في الشمال الشرقي، كانت “الصفوة” هي النقطة صفر التي ستتلقى الضربة الأولى. كنا ننام فوق فوهة بركان، والكل ينتظر “ساعة الصفر”.
​▪️ لقد تكشف المستور مع انطلاق الطلقة الأولى صباح السبت. تلك “الخيبات المجتمعية” كانت أقسى من صوت المدافع؛ فالهوية القبلية التي ظننا أنها ذابت في بوتقة “السودان” الواحد، أطلت برأسها القبيح من بين جدران البيوت التي سكنها أفراد المليشيا علانيةً قبل الحرب كـ “خلايا نائمة”.
​▪️ كنا في قلب العاصفة تماماً، رصاصة السبت الخامس عشر من أبريل لم تكن مجرد بداية لحرب عسكرية بين قوتين، بل كانت إعلاناً لسقوط أخلاقي واجتماعي مروع. في “الصفوة”، رأينا بذهول كيف يتحول الجار “المدسوس” إلى قناص، وكيف يصبح الحي الذي بنيناه بالحب والكد ساحة لتصفية الحسابات التاريخية والضغائن الدفينة.
▪️لقد بدأت العاصفة الكبرى، ولم يعد هناك متسع للهرب من قدرٍ كُتب بالرصاص والدماء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى