
في الدول التي تمرُّ بظروف استثنائية، تولد لجان استثنائية، وفي زمن الحرب، تتقدّم الضرورات على البروتوكولات، وتتراجع الشكليات أمام ضغط الواقع،لكن تبقى قاعدة واحدة لا تسقط بالتقادم ولا تُعفى بظرف: المال العام لا يُدار بالنيات، بل بالقانون.
منتصف يوليو الماضي، صدر قرار بتشكيل لجنة قومية عليا برئاسة الفريق ركن إبراهيم جابر، لتهيئة ولاية الخرطوم وعودة المؤسسات والمواطنين. كان القرار مفهوماً في سياق عاصمة أنهكتها الحرب، وتعطلت فيها الخدمات، وغابت فيها الدولة بمعناها الإداري،يومها ساد انطباع أن الأمر تدبير مرحلي لإعادة ترتيب البيت.
غير أن ما يتسرّب اليوم عن قرب صدور قرار بحل اللجنة، يضع أداءها تحت مجهر النقاش العام، فالأيام الماضية ازدحمت بتساؤلات تتعلّق بطريقة إدارة الملفات الموكلة إليها، وحدود اختصاصها، وآليات اتخاذ القرار داخلها،واللجان، مهما علت رتب رؤسائها، تظل كيانات إدارية تُقاس بوضوح إجراءاتها، ومدى التزامها بالقانون، وشفافية عملها أمام الرأي العام، ومن حق الناس أن يسألوا، ومن واجب أي لجنة أن تجيب.
القضية التي فجّرت الجدل تتعلّق بعقد قيمته 11 مليون دولار لإصلاح وصيانة “كبري الحلفايا،. جسرٌ استراتيجي بلا شك، وإعادة تأهيله ضرورة عمرانية وأمنية، لكن السؤال الأول، الذي يسبق أي تأييد أو اعتراض: هل تمّ طرح عطاء عام وفقاً للقانون واللوائح الحكومية المنظمة؟ أم أُبرم العقد بطريقة مباشرة؟
في دولة تحاول استعادة عافيتها المؤسسية، لا يكفي أن يكون الهدف نبيلاً، فالطريق إليه يجب أن يكون قانونياً،فالعطاءات ليست ترفاً إدارياً، بل ضمانة للمنافسة والعدالة وحماية المال العام، وإذا كانت هناك مبررات فنية أو ظرفية للتعاقد المباشر، فأين هي المستندات التي تشرح ذلك للرأي العام؟
ثم يبرز سؤال المبلغ نفسه: هل 11 مليون دولار رقم موضوعي ومسنود بدراسة فنية مستقلة لتأهيل الجسر؟ أم أنه رقم تقديري بلا سند منشور؟ في مثل هذه العقود، من حق المواطن أن يعرف: ما نطاق الأعمال؟ ما مدة التنفيذ؟ ما الضمانات؟ وما تكلفة الصيانة المستقبلية؟
ويتعاظم الجدل مع الحديث عن اختيار شركتين لتنفيذ العقد: شركة إبراهيم بلة للمقاولات، وشركة إتقان الهندسية. والسؤال هنا ليس تشكيكاً في ذمة أحد، بل استفهام مشروع: لماذا هاتان الشركتان تحديداً؟ هل تم تقييم فني ومالي بين عدة شركات؟ هل توجد شركات وطنية أخرى مؤهلة لم تُمنح فرصة التنافس؟ وأين معايير الاختيار؟
الأسئلة تتناسل أيضاً حول بقية أعمال اللجنة في تهيئة عودة الخرطوم: ما هي الشركات التي نُفذت عبرها أعمال الصيانة والإنارة وغيرها؟ هل طُرحت عطاءات منشورة في الصحف أو عبر القنوات الرسمية؟ أم أن العمل يجري، كما يقول العامة، “أم غمتي”، بينما يتقدّم الخطاب الإعلامي على الإفصاح المالي؟
حتى ملف الإنارة، بما يُثار عن استجلاب أدوات من الخارج، يحتاج إلى بيان واضح: هل المعدات مطابقة للمواصفات؟ من الجهة التي فحصتها؟ كم بلغت تكلفتها؟ وما هي إجراءات الشراء؟ فالحرب لا تعفي من المواصفات، بل تزيد الحاجة إليها.
الأمر لم يعد فنياً فقط، بل أصبح دستورياً وإدارياً، إذ يُثار أن اللجنة توسّعت في صلاحيات هي من صميم اختصاص الجهاز التنفيذي ورئيس الوزراء، وقد أصدر الدكتور كامل إدريس، يوم الاثنين الماضي، قراراً يطالب فيه وزراء حكومته بعدم المشاركة في اجتماعات وأعمال اللجنة، في خطوة تعكس توتراً واضحاً في تحديد الاختصاصات.
الدولة لا تُدار بازدواجية القرا،. فإذا كانت هناك حكومة تنفيذية برئاسة رئيس وزراء، فمسؤولية العمل التنفيذي يجب أن تكون واضحة ومحددة، أما اللجان، مهما كانت نواياها، فوظيفتها داعمة أو استشارية أو محددة بمهام دقيقة، والتداخل بين اللجنة ومكتب رئيس الوزراء، أو بينها وبين والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، لا يخدم الانضباط المؤسسي، بل يربكه.
ليست القضية صراع أشخاص، بل صراع مفاهيم: هل نريد دولة لجان أم دولة مؤسسات؟ هل نعيد إعمار الخرطوم بروح الطوارئ الدائمة، أم نؤسس لمرحلة يحكمها القانون والشفافية؟
إن مراجعة أعمال لجنة جابر أصبحت ضرورة، لا خصومة. مراجعة شفافة تنشر للرأي العام تفاصيل العقود، وإجراءات الاختيار، والدراسات الفنية، وكل ما يتصل بالمال العام، فإن ثبت سلامة الإجراءات، كان ذلك حماية للجنة نفسها، وإن ثبت غير ذلك، فالمساءلة واجبة، أما حل اللجنة، إذا صحّت التسريبات، فقد يكون خطوة في اتجاه إعادة الأمور إلى نصابها التنفيذي، وتأكيد أن إدارة العاصمة مسؤولية الحكومة المختصة، لا أي جسم موازٍ.




