مقالات

رحمة عبدالمنعم يكتب : الإعلام الجديد ..غياب الضوابط

لم يعد الإعلام الجديد في السودان، ممثلاً في منصات التواصل الاجتماعي، مجرد وسيلة للتعبير أو فضاء لتبادل الآراء، بل تحول في ظل غياب الضوابط إلى ساحة مفتوحة للفوضى، تُدار فيها المعارك، وتُصاغ عبرها الاتجاهات، بل وتُتخذ على وقعها القرارات، وبينما كان يُفترض أن يشكل هذا الفضاء رافعة للوعي، أصبح في كثير من الأحيان معول هدم لقيم المجتمع، ومنصة لتصفية الحسابات، وإثارة النعرات، والتدخل في أخطر الملفات السيادية.

إن ما نشهده اليوم على منصات مثل (تيك توك وفيسبوك) يتجاوز حدود حرية التعبير إلى حالة من الانفلات الكامل؛ حيث تنتشر المقاطع الهابطة، واللغة البذيئة، والمحتوى الذي يصادم القيم المحافظة لمجتمع ظل رغم ما يحيط به من تحديات، متمسكاً بأخلاقياته الراسخة، ولم يعد الأمر مقتصراً على محتوى ترفيهي سطحي، بل امتد إلى حملات منظمة تُغذّي خطاب الكراهية والعنصرية، وتستهدف النسيج الاجتماعي في توقيت بالغ الحساسية.

الأخطر من ذلك أن هذه المنصات باتت تُستخدم للتدخل في شؤون القوات المسلحة، عبر مطالبات علنية بإبعاد هذا القائد أو ترقية ذاك، في تجاوز خطير لكل الأعراف، واستخفاف بمؤسسات الدولة في وقت تخوض فيه البلاد حرباً مصيرية ضد مليشيا الدعم السريع وداعميها الإقليميين،فهل يُعقل أن تُدار ملفات بهذا الحجم عبر “ترند” عابر أو “لايك” متقلب؟

لقد أفرز هذا الواقع ما يمكن تسميته بـ”سلطة السوشيال ميديا”، حيث تحوّل بعض صناع المحتوى بلا تأهيل أو مسؤولية ، إلى فاعلين مؤثرين في الرأي العام، يقودون حملات، ويصنعون أزمات، ويوجهون بوصلة النقاش العام، دون أي مساءلة قانونية أو رقابة مهنية، والأسوأ أن بعض هذه الأصوات تجد دعماً خفياً من داخل دوائر رسمية، عبر تسريب معلومات حساسة، أو الترويج لشخصيات بعينها، في مشهد يثير أكثر من علامة استفهام حول جدية الدولة في ضبط هذا الانفلات.

ورغم أن قانون المعلوماتية قد شُددت عقوباته مؤخراً، إلا أن النصوص مهما بلغت صرامتها، تظل بلا قيمة إن لم تُفعّل، فالقوانين التي لا تُطبق تتحول إلى مجرد حبر على ورق، بل وتُفقد هيبة الدولة، وتُشجع على التمادي في المخالفات، ومن هنا فإن المشكلة ليست في غياب التشريعات، بقدر ما هي في غياب الإرادة لتطبيقها بعدالة وشفافية.

وفي موازاة ذلك، شهدت الساحة الإعلامية انفجاراً في عدد المواقع الإلكترونية الصحفية، التي تعمل دون ضوابط واضحة أو معايير مهنية محددة، حتى أصبحت مهنة الصحافة التي كانت تقوم على المسؤولية والانضباط مفتوحة لكل من شاء، دون تأهيل أو رقابة.،وعندما يُسأل المسؤولون في وزارة الإعلام أو اتحاد الصحفيين عن هذا التدهور، تأتي الإجابة الجاهزة: “نعمل على مسودة قانون جديد”، وكأن الفوضى تنتظر اكتمال المسودات!

إن ترك هذا الواقع دون معالجة جادة يُهدد بتآكل ما تبقى من ثقة في الإعلام، ويُعرض المجتمع لمزيد من الانقسام، ويُضعف الجبهة الداخلية في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أعلى درجات التماسك،فالإعلام، في أوقات الحرب، ليس مجرد ناقل للأخبار، بل شريك في المعركة، ومسؤول عن حماية الوعي من الاختراق.

وعليه، فإن المطلوب اليوم ليس فقط سنّ القوانين، بل تفعيلها بحزم، ووضع أطر تنظيمية واضحة للإعلام الجديد، تُحقق التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية،تمنع استغلال المنصات في نشر الفتنة والإساءة، كما يتطلب الأمر إعادة الاعتبار للمهنة الصحفية، عبر ضبط معاييرها، ومحاسبة كل من يسيء إليها.

إن الدولة التي تُدار عبر “الترند” مهددة بفقدان بوصلتها، والمجتمع الذي يُترك نهباً للبذاءة والتضليل مهدد بفقدان قيمه، وبين هذا وذاك، تبقى المسؤولية مشتركة، لكن الكلمة الفصل تظل بيد الدولة: إما أن تُنهي هذه الفوضى، أو تتركها تتمدد حتى تُصبح هي القاعدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى