مقالات

رحمة عبدالمنعم بكتب : حكاية فارس اسمه« حذيفة»

في بيوت العزاء، تسقط اللغة من عليائها، وتجلس الكلمات على الأرض، هناك، لا تبحث الجمل عن الزينة، ولا تتباهى البلاغة بنفسها، بل تكتفي بأن تكون شاهدة،هكذا كان المشهد نهار أمس الثلاثاء في حيّ الزيتونة بعطبرة، ونحن نؤدي واجب العزاء في البطل الشهيد حذيفة عادل، رفقة الزميل الأستاذ عاطف الجمصي، والإعلامية سارة الطيب، لم يكن عزاءً عادياً، بل درساً صامتاً في معنى الوطن، وفي الثمن الذي يُدفع كاملاً، دون تقسيط.

حذيفة عادل لم يكن اسماً عابراً في نشرة، ولا رقماً في قائمة شهداء،هو ابن سعادة اللواء عادل حميدة، نعم، لكنه قبل ذلك ابن بيتٍ عرف طريقه مبكراً: ذريةٌ بعضها من بعض؛ شجاعة تتوارث، وفروسية لا تُستعار، ووطنية لا تحتاج إلى شهادة تعريف، لم يكن حذيفة طارئاً على ساحات الشرف، بل امتداداً طبيعياً لسيرة بيتٍ اختار أن يكون في الصف الأول، دائماً،وقد ساهم الشهيد مع إخوته في كسر الحصار عن الدلنج، وكانوا على أهبة الاستعداد لدخول كادوقلي، حين باغتتهم مسيّرات المليشيا، رحل وهو يتقدّم، لا وهو يتراجع، وهذا فارق لا يفهمه إلا الذين يعرفون كيف يُكتب المجد.

عندما احتضنتُ سعادة اللواء عادل، وجدته صابراً محتسباً، كما عهدناه في الملمات،. رجلٌ يعرف أن الأوطان لا تُحمى بالدموع وحدها، لكنه، في لحظة إنسانية خالصة، انكسر كأب، فاضت دموعه، واحتضنني باكياً، وهو يحدثنا عن حذيفة لا بوصفه شهيداً فقط، بل ابناً كان يعرف أن طريقه قصير، لكنه مستقيم،ثم أسمعنا تسجيله الصوتي عبر تطبيق الواتساب: صوت شابٍ واثق، صافٍ، يبشّر والده والشعب بدخولهم إلى الدلنج، وبفك الحصار عنها. كان صوت نصرٍ مكتمل، لكنه كان أيضاً وداعاً مؤجلاً.

ولم نتمالك دموعنا ونحن نلتقي ابنة الشهيد( تيسير)، الطفلة التي سرق منها الفقد طفولتها باكراً،حكايتها تختصر وجع جيلٍ كامل، قصّ علينا الجنرال عادل، بصوتٍ مكسور، أن حذيفة لم يمكث مع ابنته سوى خمسة أيام فقط،خمسة أيام للحياة، وما تبقّى كان للمتاريس، منذ ذلك الحين، كان في مسارح العمليات، يقاتل رفقة إخوته، ويساهم في دحر المليشيا من المدرعات والقصر، وطردها من العاصمة.

وحين طالبه والده بالعودة، أن يمكث قليلاً مع أسرته ثم يعود إلى محاور القتال، جاءه الرد الذي يختصر سيرة رجل:«ما داير أعودهم علي… وأنا أصلاً مودِّع»..جملة قصيرة، لكنها أطول من العمر نفسه، من يعرف حذيفة، يدرك أنه لم يكن من الساعين إلى الدنيا، بل من الساعين إلى الشهادة، لذلك لم تأته النهاية مصادفة، بل جاءت كما أرادها: شهيداً للواجب.

كنت قد تحدثت مع حذيفة، العام الماضي، في اتصال هاتفي مع والده، عقب انتصارات الجيش الكبيرة في العاصمة، من نبرة صوته وحدها، عرفت أنني أمام فارسٍ لا يُشقّ له غبار، بعض الرجال، يكشفون معدنهم من أول كلمة…وحزني عليكِ يا تيسير، وأنتِ لم تشبعي من والدك، ولم تحفظي ملامحه كما ينبغي،لكن العزاء، كل العزاء، أن الوعد قائم: ستلتقين به في جناتٍ ونهر، عند مليكٍ مقتدر. هناك، حيث لا حرب، ولا فراق، ولا انتظار طويل.

وقد وقفتُ طويلاً أمام صبر واحتساب سعادة اللواء عادل حميدة، ففراق الابن كسرٌ لا يُجبر، والمصاب جلل، والفقد كبير،لكنه قدّم ابنه كما قدّم عمره من قبل: هادئاً، موقناً، ومسلّماً، هو الجنرال الوطني الغيور الذي كان له سهمٌ واضح في معركة الكرامة إعلامياً بتسجيلاته الصوتية القوية التي زلزلت المليشيا وداعميها، وعملياً بإسناده المتواصل للجيش والشعب، وبالدور الوطني الكبير الذي قامت به شركة زادنا العالمية في أحلك الظروف،واليوم، يضيف إلى كل ذلك سطراً لا يُمحى:قدّم ابنه شهيداً.

هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون. لا يرفعون أصواتهم، بل ترفعهم تضحياتهم، صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فأوفوا بالوعد، وكتبوا أسماءهم في ذاكرة الوطن بحبرٍ لا يجف..سلامٌ على حذيفة عادل، يوم مضى إلى واجبه، ويوم ارتقى إلى خلوده ،وسلامٌ على أبٍ قدّم ابنه، ولم يطلب من الوطن سوى أن يبقى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى