
في قراءة استراتيجية عميقة للمشهد المتفجر في الشرق الأوسط، يفتح الخبير الاستراتيجي البروفيسور حسن مكي ملف المواجهة المحتدمة بين واشنطن وطهران، معتبراً أن ما يحدث ليس مجرد صراع عسكري عابر، بل هو صدام حضاري وتقني يستهدف إعادة صياغة المنطقة عبر تكتيك “الانقلاب الزاحف”. ويكشف مكي في هذا الحوار الخاص لصحيفة “العودة ” عن الأبعاد الخفية وراء استهداف القيادات الإيرانية، محذراً من سيناريوهات كارثية قد تقود إلى حرب عالمية ثالثة، وموضحاً الأسباب التي تجعل من “تغيير النظام” في إيران خطراً داهماً قد يهدد أمن واستقرار جيرانها العرب.
■ بداية بروفيسور، كيف تقرأ الجذور العميقة لهذا الصدام الذي نعيشه اليوم بين القوى الكبرى وإيران؟
= الحقيقة أننا بصدد صراع ذي أبعاد تاريخية وحضارية غائرة؛ فإيران بلد يمتلك عمقاً ضارباً في القدم منذ العهد الفارسي وما قبل الإسلام، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الوجود في سياق الصراع مع الروم. المعركة الدائرة اليوم هي في جوهرها صدام بين “قوى الحداثة والتقانة المعاصرة” التي يمثلها الغرب، وبين دولة ذات جذور حضارية صلبة. هذا البعد التاريخي هو ما يجعل المواجهة تأخذ هذا الطابع من الاستماتة والتعقيد.
■ تتحدث واشنطن وتل أبيب عن “الخطر النووي” كدافع أساسي لهذا العدوان، ما مدى واقعية هذا الطرح؟
= هذا وصفه الأدق أنه “عدوان صارخ” يتخذ من الذريعة النووية عنواناً دعائياً فقط. الواقع يؤكد وجود فتوى دينية صريحة من القيادة الإيرانية تحرم إنتاج أو امتلاك القنبلة الذرية. ولو كانت طهران تسعى فعلياً لامتلاكها، لكان بإمكانها الحصول على التكنولوجيا اللازمة من باكستان أو كوريا الشمالية أو حتى عبر السوق السوداء منذ سنوات طويلة. السؤال الجوهري هنا: لماذا لا تُحارب كوريا الشمالية وهي تمتلك السلاح النووي فعلياً؟ هذا يؤكد أن الهدف ليس السلاح، بل إخضاع الدولة.
■ أشرت في تحليلك إلى مصطلح “الانقلاب الزاحف” ماذا تقصد به في السياق الإيراني؟
= هو تكتيك استراتيجي تراهن عليه إدارة ترامب وإسرائيل، ويهدف إلى تطويق النظام من الداخل وخلق فراغ قيادي حاد يمهد لسقوطه تدريجياً دون الحاجة لغزو عسكري شامل. هذا التكتيك يعتمد على عمليات اغتيال ممنهجة، وقد تم بالفعل تصفية أكثر من 40 من الكوادر والقيادات الإيرانية المؤثرة في محاولة لزعزعة التماسك الهيكلي للنظام وتفريغه من عقوله المدبرة.
■ هل هناك نماذج تاريخية نجح فيها هذا النوع من الانقلابات وتستند إليها الدوائر الغربية؟
= نعم، الدوائر الاستخباراتية الغربية تستلهم تجارب سابقة نجحت في تغيير أنظمة عبر استهداف الرؤوس أو الضغط الداخلي العنيف؛ كما حدث في ليبيا مع القذافي، وفي اليمن مع عبد الله صالح، وفي الصومال مع زياد بري. بل إن هناك إشارات واضحة لما جرى في السودان من خلال الإطاحة بالنظام السابق من الداخل عبر استمالة الدوائر القريبة من السلطة. هم يحاولون تكرار هذه الوصفة في طهران عبر خلق فجوة بين القيادة والقواعد.
■ كيف تقيم القراءة الأمريكية للمجتمع الإيراني والرهان على تحركه للداخل؟
= الأمريكيون يبنون استراتيجيتهم على فرضية أن الشباب الإيراني بات يمتلك “مزاجاً أمريكياً” ميالاً للحداثة الغربية، ويدعون في دراساتهم أن 80% من القيادات الإيرانية أصبحت “براغماتية نفعية” تبحث عن مصالحها وتستعد للتفاهم مع الغرب، مقابل 20% فقط من “الأيديولوجيين العقائديين”. هذا التقسيم هو ما يغذي طموحهم في إحداث شرخ داخلي يؤدي إلى الانهيار.
■ هل نجحت عمليات الاغتيال المكثفة في تحقيق هذا الشرخ حتى الآن؟
= للمفارقة، هذه العمليات التي كان يُراد منها تفكيك النظام أدت إلى نتيجة عكسية؛ حيث خلقت “جبهة داخلية قوية” وتماسكاً شعبياً حول القيادة لم يكن يتوقعه المخطط الغربي. المقتلة والعدوان وحّدا الصفوف بدلاً من تمزيقها، مما يجعل الرهان على السقوط السريع رهاناً خاسراً.
■ هناك جدل واسع حول استهداف الصواريخ الإيرانية لبعض المناطق العربية، كيف توازن بين هذا الموقف والانتماء القومي؟
= هذا هو الجانب الأكثر إيلاماً وتعقيداً في المشهد. نحن بلا شك، قلوبنا وعقولنا مع “الدول العربية” ومع أمن شعوبنا، بينما يبرر الطرف الآخر استهدافه لهذه المناطق بكونها تضم قواعد عسكرية أجنبية تدار منها العمليات ضده. إنه وضع مأساوي يجعل المنطقة العربية ساحة لتصفية حسابات كبرى.
■ ذكرت في حديثك تشابهاً بين المحاولات السياسية في السودان وما يحدث تجاه إيران، هل توضح ذلك؟
= نعم، هناك تشابه في “الأدوات الناعمة”. فكما يسعى الغرب اليوم لإعادة شخصيات مثل عبد الله حمدوك إلى المشهد في السودان بالوسائل السلمية والضغط السياسي، هم يسعون في إيران لإيجاد أو صناعة شخصية “نفعية” تكون مقبولة وموصولة بالغرب وتسمع الكلام، لتكون هي البديل الجاهز في حال نجاح مخطط “تغيير النظام”.
■ ما هو السيناريو المتوقع إذا استطاعت إيران الصمود وتطهير صفوفها من الاختراقات؟
= إذا تمكنت المقاومة الإيرانية من الحفاظ على تماسكها وتطهير أجهزتها من الاختراقات الداخلية التي أدت للاغتيالات السابقة، فإننا سنكون أمام “حرب استنزاف طويلة” ومضنية. هذه الحرب لن تنتهي بضربة قاضية، بل ستستنزف موارد وطاقات جميع الأطراف المنخرطة فيها لسنوات.
■ هل تغيير النظام في إيران يخدم فعلياً مصالح الدول العربية المجاورة؟
= هذا سؤال جوهري وغالباً ما يُقرأ بشكل خاطئ. يرى الكثيرون أن سقوط النظام في طهران هو مكسب للعرب، لكن الحقيقة قد تكون مغايرة تماماً. التغيير الذي يسعى إليه الغرب قد يأتي بنظام “صفوي” موالٍ تماماً لأمريكا، ولكنه في الوقت نفسه يمتلك أطماعاً توسعية صريحة في المنطقة، وتحديداً في البحرين والإمارات، وربما تبارك واشنطن هذه الأطماع مقابل ضمان ولاء النظام الجديد وخدمته لمصالحها.
■ كيف ستتأثر أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي بهذا الصدام المستمر؟
= العالم يقف على حافة أزمة اقتصادية غير مسبوقة؛ فاستمرار هذه المواجهة في ممرات الطاقة الحيوية سيؤدي حتماً لقفزة جنونية في أسعار النفط لتتجاوز حاجز الـ 150 دولاراً للبرميل. هذا الارتفاع سيهز أركان الاقتصاد العالمي ويؤثر بشكل مباشر على معيشة الشعوب في كل مكان.
■ ما مدى احتمالية توسع هذا الصراع ليصبح مواجهة دولية شاملة؟
= الاحتمالات مفتوحة وخطيرة للغاية. استمرار الحرب والاستنزاف قد يجر قوى عظمى أخرى مثل الصين للدفاع عن مصالحها الحيوية ومصادر طاقتها. إذا حدث ذلك، فلن نعود نتحدث عن صراع إقليمي، بل سنكون في مواجهة مباشرة مع نذر “حرب عالمية ثالثة” لا تبقي ولا تذر.
■ ما هي الكلمة الأخيرة التي توجهها من خلال ” العودة”؟
= المنطقة تمر بمنعطف استراتيجي هو الأخطر في تاريخها الحديث. الصراع بين “تغيير النظام” و”الثبات” سيحدد شكل الخارطة السياسية لعقود قادمة. على القوى الإقليمية أن تدرك أن مصالحها قد لا تلتقي بالضرورة مع مخططات “الانقلاب الزاحف” التي ترسمها القوى الكبرى، وأن كلفة الحرب والاستنزاف ستدفعها شعوب المنطقة من أمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها



