
شَكّلَ نصر الجيش السوداني، على مليشيا الدعم السريع، في معركة تحرير الخرطوم، أسطورةً جديدةً في الحروب الحديثة، حيث حسم الجيش نصره عبر استراتيجية (هزائم الرُّعب)، واستدراج العدو إلى أرض المـوت، في ملاحم بطولية ستُكتب في أسفار التاريخ، حول كيفية الصُّمُـود والتضحيات بالدم والدموع والثبات واليقين.
آلاف الأبطال قدّموا أرواحهم فداء السودان كي لا يسقط في براثن مليشيا آل دقلو العُنصرية، التي غدرت بأبناء جلدتهم وهُم صائمون، في صباح 15 أبريل 2023، حيث كانوا يتقاسمون معهم طعام الإفطار في ليلة الغدر، ليصبحوا على خناجرهم المسمومة تطعن ظهورهم بكل جبن وخِسة..!
الخيانة والبيع
رسمت المليشيا، خُطتها الإجرامية للاستيلاء على حكم السودان بسند إقليمي كبير تُحـرِّكه إسرائيل، تلقت فيه المليشيا وظهيرها السياسي مليارات الدولارات وترسانة حربية متقدمة، بحيث تأسر أو تقتل رئيس وأعضاء مجلس السيادة العسكريين وأعضاء هيئة أركان الجيش، خلال 6 ساعات، وتعلن بيانها الانقلابي.
هاجمت المليشيا بضراوة ونيران ثقيلة، القيادة العامّة وقصر الضيافة – مقر إقامة الفريق أول البرهان – وقاعدة مروي واللواء الأول مشاة الباقير والأبيض، وأطبقت على قوات الجيش حول المدينة الرياضية، واستولت على القصر الجمهوري وجميع الوزارات والمقَار الحكومية في شارع النيل، واستولت على جبل ساركاب، وعلى الرغم من ذلك، لم تنجح في مخططها.
الخطة (ب)
انتقلت المليشيا بتوجيهات صهيونية ودعم تكنولوجي رهيب، إلى الخطة (ب) التي قضت بأن تنتشر في جميع أصقاع السودان، وتسقط حاميات ومقار الجيش والقوات النظامية في جميع الولايات السودانية.
استراتيجية الجيش
وضع الجيش السوداني، استراتيجية واسعة تقوم على الآتي:
1. الحفاظ على قواته الصلبة، وعدم التضحية بأيِّ جندي، في مغامرات غير محسوبة العواقب.
2. مُعادلة موازين القِوى، حيث فتحت الأبواب للمقاومة الشعبية، وكسبت ولاء أكبر قوات الكفاح المسلح في دارفور، كما تمّت إعادة قوات هيئة العمليات التابعة لجهاز المخابرات، بعد أن تمّ حلها. وبهذا الأمر استطاع الجيش ضَم عشرات الآلاف من المُقاتلين إلى صفوفه.
3. اتبع الجيش أسلوب الانسحاب التكتيكي، وما يُعرف بالإجراء الدفاعي التراجعي، هو نوعٌ من العمليات العسكرية، بحيث يُتخذ الانسحاب باعتباره جُزءاً من تراجع عام، أو لتعزيز القوات، أو إجبار العدو على التقدُّم لضمان نصرٍ حاسمٍ، أو استدراجه إلى كمينٍ. وهي عملية محفوفة بالمخاطر، إذ تتطلب انضباطاً لتفادي تحوُّلها إلى هزيمة وتلحق أضراراً بالغة بالروح المعنوية للجيش، كما تُعرِّض المدنيين للمخاطر.
الجيوش النظامية في الحرب، يكون هدفها على المدى البعيد هو هزيمة العدو. تتضمّن الأساليب التكتيكية الفعّالة في هذا الأمر، إضعاف معنويات العدو من خلال إلحاق الهزيمة بجيشه وتحويلهم من ساحة المعركة. بمجرد أن يصبح العدو غير منظم، فإنّـه يفقد قُـدرته على القتال، ويصبح بوسع المُنتصرين مُطاردة البقية، ويلحق أكبر قدرٍ مُمكنٍ من الضحايا أو أخذ أكبر عدد ممكن من الأسرى – وهذا ما فعله الجيش السوداني بمليشيا الدعم السريع.
قَلبَ الطاولة
بعد مرور 20 شهراً من انطلاق الحرب، كشّـر الجيش عن أنيابه، وبدأ سلسلة عمليات (أبواب الجحيم)، فكسر ظهر المليشيا في قاعدتها بـ(جبل مويا)، وانطلق في مخطط إسقاط المليشيا رويداً رويدا حتى لفّ الحبل حول عنقها، وخاض أكثر من 500 معركة خلال الأربعة أشهر الأخيرة، فجاء تحرير أم درمان، ومدني وولاية سنار ومعظم ولاية الجزيرة، وأم روابة، وفك الحصار عن مدينة الأبيِّض الاستراتيجية في شمال كردفان، وقرِّي والمصفاة وشرق النيل، في وقتٍ تزحف الجيوش من كل مكان نحو الخرطوم.
تحطم الفرية الكبرى!
عملية تحرير الخرطوم، لم تأتِ فقط خلال 3 أيام كما يعتقد معظم الناس، بل كان الدور الأبرز هو صُمُـود قلعة القيادة العامة للجيش بوسط الخرطوم، وسلاح المدرعات ومنطقة الشجرة العسكرية جنوب الخرطوم، فصُمُود هذه المناطق أمام هجمات المليشيا، ساعد كثيراً في تحرير الخرطوم، بل فقدت المليشيا في هذه المعارك معظم قوات النخبة المدربة تدريباً عالياً؛ ويُعتبرون من علية قوم المليشيا القبلية.
طوقت جيوش القوات المسلحة السودانية، العاصمة الخرطوم من جميع النواحي، وبات الرُّعب تملك روح المليشيا، ويُوهن قواها، ويُحطِّم فرية عدم قهر المليشيا، وأن النصر حليفها في كل زمان ومكان.
وتواصلت فتوحات الجيش، بتحرير محلية بحري وفك الحصار عن سلاح الإشارة الصَّـامد، ومنها تحرّرت القيادة العامة للجيش من الحصار المرير.
وجاء بعده تحرير القصر الجمهوري بشارع النيل، الذي يمثل رمزية كبيرة للشعب السُّوداني.
الفرار من الموت
بعد أن تجرّعت المليشيا ومرتزقتها، الهزائم واحدة تلو الأخرى، صارت روحهم المعنوية تحت الصفر، وأصبح همّهم هو الفرار من مواجهة كتائب الجيش السوداني، ونتيجةً لذلك ماتوا بالمئات أثناء محاولات هروبهم الكبير من الخرطوم، للوصول إلى معبر خزان جبل أولياء، وهو المكان الوحيد أمامهم للنجاة.. كيف لا، فلقد جعلهم الجيش، يخسرون في جميع المُـواجهات، حتى صاروا يجبنون من خوض المعركة الفاصلة في الخرطوم، وجاء أول الهروب من كبار قادتهم في الخرطوم قبل شهرين من الآن. وبَـاتَ الجيش السوداني يُوقن تماماً أن المليشيا انتهى أمرها في وسط السودان والجزيرة قولاً واحداً، وهذا ما كشفته الفيديوهات التي صوّرتها مُسيّرات الجيش، وهي تُوثِّق فلول المليشيا وهي تولي يوم الزحف الأخضر، تجرجر أذيال الهزائم المستمرة.
الأسوأ لم يَأتِ بعد!
يقول قائد سلاح المدرعات اللواء د. نصر الدين، (إن المليشيا انهارت وماتت وشبعت موتاً)، وإنّهم على يقين وقريباً سترتاح البلاد والعباد منهم، وإنّ النصر آتٍ لا محالة.
كما توعّد قادة الجيش وأعضاء مجلس السيادة، بأن القوات المسلحة السودانية ستواصل مُطاردة المليشيا في كل شبرٍ من أرجاء السودان، بل توعّد الفريق أول ياسر العطا، كل الدول التي مَـوّلت ودعمت المليشيا بالعقاب، كما أرسل رسالة إلى الرئيس التشادي محمد كاكا، أن مطارات بلاده هدفٌ مشروعٌ للجيش السوداني، لأنّها قاعدة لانطلاق مُسيّرات المليشيا التي قدّمتها دولة الإمارات.
مُتغيِّراتٌ دوليةٌ لصالح السودان
الحرب الإقليمية على السودان، من أجل تقسيمه، وجدت رفضاً دولياً وإقليمياً كبيراً، فوجد السودان السند من (السعودية ومصر وتركيا وقطر وروسيا وإريتريا والأردن والكويت ومجلس الأمن والسلم الأفريقي والأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه رمطان لعمامرة).
وهذا الأسبوع، أكّدت السعودية أنّها تدعم السودان وشرعيته. وبالأمس، أعلنت تركيا، وقوفها بقوة إلى جانب الشعب السُّوداني. وقال سفيرها التركي في السُّودان، الفاتح يلديز: “أوجِّه ندائي للذين يشتكوننا إلى دول أخري بأننا نقف جنباً إلى جنب مع السُّودان.. ومن خلال هذا النهج، فإنهم يثبتون أنهم يعملون لصالح دولة ثالثة، وليس لصالح السُّودان.. وسيواصل الأتراك الوقوف بقوة إلى جانب الشعب السُّوداني من أجل وحدة السُّودان وسيادته”.
وبلا شك صمود السودان أمام هذه المُـؤامرة الكبرى، أساسه الاصطفاف الشعبي الكبير خلف جيشه، والتضحيات الكبيرة التي رواها الشهداء الأبطال بالدماء التي روت أرض السودان الطاهرة، التي كانت دومًا مقبرة للغزاة