منوعات

بين شكر”نوريت” وصفعتها .. ليلة استنطاق الوجع والشتات في الرياض

بقلم : ​الأستاذ/ أبو لمار آل نافع

مساء أمس الخميس، الثامن عشر من يونيو، شهدت الرياض لقاءً يحمل دفء الذكريات ولذة الأدب، حيث جمعتنا الأمسية بالدكتور عبد الرزاق كرار عثمان، القادم من الدوحة في طوافٍ خليجي يحتفي بميلاد روايته الجديدة “نوريت”. في جنبات أحد فنادق العاصمة، التقت نخبة من الخريجين والمهتمين بالثقافة؛ لم تكن المناسبة مجرد تدشين كتاب، بل كانت فرصة لاستعادة خيوط زمن مضى، وجرت تحت جسوره مياه كثيرة. تمازجت في اللقاء أحاديث الأدب بملح الدعابة حول سنوات العمر التي انفرطت دون تلاقٍ.
​اختيار المكان القريب من قلب الرياض خفف من وعثاء الوصول على الحاضرين، ورغم أن القاعة كانت مهيأة بكل ما يلزم لتستقبل هذا المحفل، ورغم تزامن الأمسية مع حفل زفاف في مكان آخر، إلا أن الحضور كان وازنًا ومعقولًا، مدفوعاً بشغف حقيقي.

​انطلقت الأمسية بحوار صاغته لجنة التقديم بذكاء لتستنطق الضيف. ولعل أكثر الأسئلة إثارة للتدبر كان ذلك السؤال الوجودي: “لو وقفت (نوريت) أمامك الآن، هل ستقدم لك الشكر أم ستصفعك؟” – ونوريت هنا هي بطلة النص والوجع معاً. جاءت إجابات الدكتور كرار مقتضبة، كمن يفضل أن تدافع الرواية عن نفسها وتتحدث بالنيابة عنه. تلا ذلك كلمة اللجنة المنظمة التي ألقاها الدكتور عادل أبو بكر فكاك، ورغم عناد شاشة هاتفه ومحاولتها إرباكه، إلا أنه عبر بالكلمة إلى بر الأمان تفيض بالشكر والترحاب.

​ثم فُتحت النافذة للأستاذ محمد جميل، الذي شرّح الرواية تفكيكاً وقراءةً، متجولاً بين فصولها بأسلوب سلس وتحليل نقدي محترف. لقد منح هذا العرض إضاءات ضرورية للحاضرين، لا سيما أولئك الذين لم تسعفهم الأيام لقراءة العمل بعد، فصار تحليله دليلاً استندوا إليه في مداخلاتهم ونقاشاتهم.

​أما المهندس موسى عول خير، فقد صعد المنصة مدفوعاً بإصرار من الدكتور عادل فكاك. ومع أنه حاول التمترس خلف جدار الهندسة الصارم والاعتراف بحداثة عهده بالنقد الروائي، إلا أنه قدم إضاءة لافتة مغلفة بتعميم ذكي؛ إذ رأى أن “نوريت” ليست مجرد بطلة، بل هي مرآة تعكسنا جميعاً، وكأن سر قبول الرواية يكمن في لمسها لتلك الشروخ الوجدانية والشتات الذي نعيشه. أثنى موسى على ذكاء الكاتب في اختيار بيئته المألوفة، وأشاد بتقنية “الهللي”، واعداً بشرحها للأستاذ ناصر السيد النور.
​وفي محاولة لتأطير العمل، منح الرواية هوية “سوداترية” نظراً لتبلور أحداثها في جغرافيا السودان. وهي وجهة نظر لها وجاهتها، وإن كنت أرى شخصياً أن “نوريت” تتجاوز حدود الجغرافيا والزمن لتصبح هوية لكل من يرى مأساته الخاصة متجسدة في سطورها. ورغم مفارقات المهندس ومداعبته للجنة المنظمة حول توازيهما الذي لا يلتقي، إلا أنه لامس عصب الرواية بعمق.

​لكن الأمسية، على بهائها، غاب عنها ضلع أساسي لا تكتمل هذه المحافل بدونه: النقد المتخصص. والعتب هنا يقع على عاتق اللجنة المنظمة؛ فبيننا قامة نقدية رفيعة القدر كالأستاذ ناصر السيد النور، وكان الحريّ باللجنة تزويده بنسخة من الرواية بوقت كافٍ ليكون متحدثاً رئيساً لا مجرد مستمع.
​وقد بدا هذا القصور واضحاً حين اعتذر المهندس موسى نيابة عن الجميع من فوق المنصة (رغم أنه ليس عضواً في اللجنة). وقد صرّح الأستاذ ناصر بأنه لم يقرأ العمل بعد، وأن مداخلته اتكأت على ما سمعه من الأستاذ محمد جميل، لكنه قطع وعداً بكتابة قراءة نقدية شاملة قريباً، ونحن بانتظار إنجاز هذا الوعد بشغف.

​توالت بعد ذلك مداخلات الحضور، وغلب عليها طابع الثناء، لكنها لم تخلُ من ومضات تستحق التأمل:
​الدكتور سعيد شوماي: وصف الرواية بأنها “مناحة خالصة”، معرباً عن أمنية شخصية لو أن السرد انفتح على كوة نور أو نفق يشي بالانفراج.
​الفنان التشكيلي رمضان يس: أضفى بعداً مغايراً بإشارته إلى غياب الإضاءة على تجاوزات بعض المؤسسات الدولية الأمم “المتحدة” وتجاوزات بعض الشخصيات المعروفةوالتي كانت تمتلك وكالات سفر “كجعفر”، معتبراً هذا الإغفال نقصاً، كما استهجن الممارسات الاجتماعية القاسية كالختان الفرعوني وبشاعته، وتساءل عن أفق ترجمة العمل لخدمة مجتمعاتنا ثنائية الثقافة.
​الأخ أبو فاطمة: جاءت كلماته لطيفة الأثر ومحفزة، رغم أنه لم يقرأ الرواية بعد.
​الأستاذ هايتين: مثلت مداخلته إضافة نوعية؛ إذ عاد بنا إلى جذور الرواية الأولى وتاريخها، ملقياً الضوء على شح إنتاجنا السردي وقراءتنا له، مما يجعل الاحتفاء بكل مولود أدبي جديد ضرورة ملحة وشغف دائم، داعياً بدوره إلى تفعيل الترجمة كجسر للتواصل الإنساني.​​
​سنحت لي الفرصة لأحيي الدكتور كرار وهو غارق في توقيع كتبه، مستحضراً بامتنان ثناءه المسبق على قراءتي المتواضعة للرواية، والتي كنت قد نشرتها على صفحتي الشخصية قبل مغادرته أستراليا.
​كل الشكر والتقدير للصديقين المبدعين إيرب وعبد الرزاق حسن فكاك على هذا الأداء المتميز والإدارة الراقية للأمسية ربطاً وتقديمًا.
​الأستاذ/ أبو لمار آل نافع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى